تزايد الشيخوخة لدى الشعب الكوري الجنوبي يتعلق بتحول في معدلات الخصوبة وأنماط تكوين الأسرة. من المصدر

كوريا الجنوبية تسابق الزمن لمواجهة شيخوخة سكانية متسارعة

في ديسمبر 2024، تجاوزت نسبة الكوريين الجنوبيين، الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فما فوق، حاجز الـ20% لأول مرة، ما أدى إلى تصنيف البلاد ضمن ما يطلق عليه علماء الديموغرافيا اسم «مجتمع بالغ الشيخوخة». وبحلول أغسطس 2026، ارتفعت هذه النسبة أكثر لتصل إلى 22.1%.

وقد يبدو هذا الوصف أشبه بتشخيص طبي، إلا أن شيخوخة السكان ليست مشكلة في حد ذاتها، فهي تعكس جزئياً تقدماً ديموغرافياً، حيث انخفضت معدلات الوفيات المبكرة، وزاد متوسط العمر المتوقع، بفضل تحسن الظروف المعيشية. وبالتالي، يمكن اعتبار ارتفاع نسبة كبار السن في المجتمع مؤشراً على أن المجتمع أصبح أكثر أماناً وصحة ونضجاً من الناحية الديموغرافية.

وبناء عليه، فإن مصدر القلق الرئيس لا يكمن في مجرد شيخوخة السكان، بل في سرعة وتيرة هذه العملية، ومدى استعداد المجتمع لها. فقد انتقلت كوريا الجنوبية من مرحلة «المجتمع الهرم» الذي تراوح فيه نسبة من هم فوق سن الـ64 بين 7 و13% من إجمالي السكان إلى «مجتمع بالغ الشيخوخة» في غضون 24 عاماً تقريباً.

وكانت هذه العملية الانتقالية أسرع بكثير من اليابان، التي استغرقت 35 عاماً للوصول إلى المرحلة ذاتها. أما في الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن يشكل كبار السن 23.4% من إجمالي السكان بحلول عام 2060.

الأكثر شيخوخة

ومن المتوقع أن تصل نسبة الكوريين الجنوبيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر إلى نحو 41% بحلول عام 2060، ما سيجعلها الدولة الأكثر شيخوخة في العالم. وستواجه البلاد ضغوطاً متزايدة تتعلق بأنظمة التقاعد والرعاية الصحية وأماكن العمل ونظم تقديم الرعاية، في حين لن تتوافر لديها سوى فترة زمنية قصيرة نسبياً للتكيف مع هذا الوضع.

وكانت الفئات العمرية الأكبر حجماً في فترة التسعينات من القرن الماضي، هي تلك التي تراوح أعمار أفرادها بين 15 و34 عاماً. أما الآن، وبعد مرور نحو 30 عاماً، فقد تجاوزت أعمار أصغر أفراد تلك الفئة 45 عاماً، بينما بلغ أكبرهم سن التقاعد بالفعل (وهو 60 عاماً في كوريا الجنوبية). والجدير بالذكر هنا أن نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 30 عاماً أو أقل آخذة في التقلص.

معدلات الخصوبة

وتتعلق ظاهرة تزايد الشيخوخة لدى الشعب في كوريا الجنوبية أيضاً بتحول أوسع نطاقاً في معدلات الخصوبة، وأنماط تكوين الأسرة، والحياة الأسرية. ومع تزايد الاستقلالية الفردية في تقرير كيفية تنظيم شؤون الحياة، يبرز تحول ديموغرافي نحو انخفاض مستمر في معدلات الخصوبة، وتأخر سن الزواج والإنجاب، وتنوع أكبر في أشكال الأسرة. وتعدّ كوريا الجنوبية من أخفض نسب الخصوبة في العالم.

ويعتمد نظام التقاعد في البلاد بشكل أساسي على «دائرة الخدمات الوطنية للمعاشات التقاعدية»، وهو صندوق معاشات يتم تمويل موارده من خلال إسهامات العمال وأصحاب العمل والعاملين لحسابهم الخاص، وعلى «المعاش التقاعدي الأساسي»، وهو ميزة منفصلة يتم تمويلها من الضرائب، وتخصص للبالغين ذوي الدخل المنخفض ممن تبلغ أعمارهم 65 عاماً فما فوق.

ولا يعد مجرد رفع سن التقاعد حلاً كافياً، حيث تناقش كوريا الجنوبية حالياً مقترحاً لرفع سن التقاعد القانوني تدريجياً من 60 إلى 65 عاماً. ومن شأن هذه الخطوة أن تتيح للعمال البقاء في وظائفهم الأساسية لفترة أطول، ما يساعد على تقليص الفجوة الزمنية بين التقاعد وموعد استحقاق معاش التقاعد.

الرعاية الصحية

ويُعد قطاع الرعاية الصحية أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمع الكوري الجنوبي الذي يشهد شيخوخة متسارعة، ففي عام 2008، أطلقت كوريا الجنوبية نظام التأمين الصحي للرعاية طويلة الأجل، الذي يغطي خدمات الرعاية المنزلية، والتمريض، والتأهيل، والرعاية النهارية، والأجهزة المساعدة، والرعاية السكنية للأشخاص ذوي الاحتياجات الجسدية أو الإدراكية. ويتم تمويل هذا البرنامج من خلال التأمين الصحي الوطني، والتمويل الحكومي، وإسهامات المستخدمين.

ويُمكن لمن في عمر 65 عاماً فأكثر الاستفادة من هذا البرنامج، إذا تم تقييم حالتهم على أنها تعاني صعوبة في أداء الأنشطة اليومية، أو إذا كانوا يعانون حالات صحية متعلقة بالتقدم في السن، مثل الخرف أو أمراض الأوعية الدموية الدماغية.

تنسيق

وعند مقارنة تجربة كوريا الجنوبية بتجارب مجتمعات أخرى تعاني شيخوخة السكان في مراحل مختلفة من التحول الديموغرافي، يتضح أن سياسات كوريا الجنوبية لا يمكن ببساطة نسخها وتطبيقها في أماكن أخرى.

أما ما يمكن نقله والاستفادة منه بسهولة أكبر، فهي الدروس الأوسع نطاقاً التي تقدمها كوريا الجنوبية للمجتمعات التي لاتزال في مراحل مبكرة من التحول الديموغرافي، وبالتالي تمتلك متسعاً أكبر من الوقت للاستعداد.

وتبرز تجربة كوريا الجنوبية ضرورة بناء القدرات اللازمة لتقديم خدمات الرعاية طويلة الأجل قبل أن تصبح الأنظمة القائمة عاجزة عن استيعاب الضغوط المتزايدة.

وتظهر أيضاً أهمية تنسيق صناع السياسات بين إصلاحات أنظمة التقاعد وسياسات التوظيف، بدلاً من محاولة معالجة أحد الجانبين بمعزل عن الآخر. وعلاوة على ذلك، تؤكد كوريا الجنوبية ضرورة تصميم برامج مخصصة لكبار السن، بحيث تصل إلى المجتمعات الريفية والمناطق الأقل حظاً.

جونغ مين بارك*

*مرشح لنيل درجة الدكتوراه في الصحة والتنمية البشرية بجامعة بنسلفانيا.

عن «أيجا تايمز»

. توقعات بوصول نسبة الكوريين الجنوبيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر إلى 41% بحلول 2060، ما سيجعلها الدولة الأكثر شيخوخة في العالم.

. مصدر القلق الرئيس في كوريا الجنوبية لا يكمن في مجرد شيخوخة السكان، بل في سرعة وتيرة هذه العملية ومدى استعداد المجتمع لها.

الأكثر مشاركة