أوروبا تسابق القوى العظمى لتعزيز نفوذها في القطب الشمالي

تشهد منطقة القطب الشمالي ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة، ومع تراجع مساحات الجليد البحري، تتزايد المنافسة الدولية على النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستراتيجية في العالم. وفي ظل الحضور المتنامي لروسيا والصين، إلى جانب تصاعد اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة، باتت إدارة منطقة «أقصى الشمال» - بما تزخر به من موارد طبيعية وممرات بحرية واعدة - أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

وفي المقابل، تبدو سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه القطب الشمالي التي أُقرت عام 2021، غير مواكبة حتى الآن للتحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، الأمر الذي يدفع بروكسل إلى إعادة النظر في مقاربتها للقطب الشمالي، في وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية المحيطة به.

ويؤدي ذوبان الجليد البحري إلى فتح طرق بحرية أقصر في أقصى شمال الكرة الأرضية، ما قد يتيح تقليص مدة الرحلات البحرية بأيام، بل وربما بأسابيع في بعض الحالات.

وفي الوقت نفسه، يكشف انحسار الغطاء الجليدي عن موارد طبيعية هائلة، حيث تشير التقديرات إلى أن المنطقة تحتوي على نحو 13% من احتياطيات النفط العالمية غير المكتشفة، إضافة إلى نحو 30% من احتياطيات الغاز الطبيعي غير المكتشفة، وهو ما يعزز - بصورة كبيرة - القيمة الاقتصادية والاستراتيجية للقطب الشمالي.

مسرح عسكري

وبالنسبة إلى روسيا، يمثل القطب الشمالي مسرحاً عسكرياً بالغ الأهمية ومصدراً رئيساً للإيرادات، في وقت تحتاج فيه موسكو إلى موارد مالية إضافية لتمويل حربها في أوكرانيا.

وفي تطور لافت، شنت طائرات مسيرة أوكرانية في التاسع من سبتمبر هجمات على محطتين رئيستين للغاز في منطقة القطب الشمالي، في حادثة تعد الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب. ويعكس هذا التطور اتساع نطاق العمليات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة عن ساحات القتال التقليدية، كما يسلط الضوء على تصاعد التوترات العسكرية في منطقة كان ينظر إليها لسنوات باعتبارها ساحة للتعاون بين الدول المطلة عليها، أكثر من كونها مسرحاً للمواجهة المباشرة.

ورغم أن ثلاث دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، هي الدنمارك وفنلندا والسويد، تقع ضمن نطاق القطب الشمالي، فإن جزءاً كبيراً من المنطقة يظل خارج الولاية القانونية المباشرة للاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب، ركزت بروكسل في سياستها الحالية بدرجة كبيرة على ملفات المناخ، والمواد الخام الحيوية، والبنية التحتية، والتعاون مع الشعوب الأصلية، وفقاً للمحللة السياسية في «مركز السياسات الأوروبية» ماريا مارتيسيوت.

غير أن هذه المقاربة قد تكون على وشك التغيير، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة وتزايد أهميتها الجيوسياسية. فقد شكلت زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إلى غرينلاند في أوائل سبتمبر، للإعلان عن حزمة استثمارية تبلغ قيمتها 200 مليون يورو، على مدى العامين المقبلين، خطوة مهمة في هذا الاتجاه، ومهدت الطريق أمام استراتيجية جديدة للاتحاد الأوروبي بشأن القطب الشمالي، من المقرر الكشف عنها في أكتوبر المقبل.

أهمية استراتيجية

وحتى سنوات قليلة مضت، كانت الدول الثماني المطلة على القطب الشمالي - وهي: كندا والدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج وروسيا والسويد والولايات المتحدة - قادرة على العمل معاً في عدد من الملفات، رغم الخلافات السياسية بينها.

لكن اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 أدى إلى توقف جزء كبير من هذا التعاون، وأصاب عمل مجلس القطب الشمالي بالشلل فعلياً. ومنذ ذلك الحين، بدأت المنطقة تقرأ بصورة متزايدة من منظور التنافس بين القوى العظمى، بعدما كانت لسنوات ساحة للتعاون الدولي في قضايا البيئة والبحث العلمي والتنمية الإقليمية.

وتعد مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسيطرة على غرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع الدنمارك، واحدة من أبرز المؤشرات على تصاعد الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي. كما تعكس هذه المساعي، في الوقت ذاته، الموقع الحساس الذي يحتله الاتحاد الأوروبي في هذه المنطقة التي تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية لعدد من القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، قال مدير «مركز الشمال الأقصى للأعمال والحوكمة» في جامعة «نورد» النرويجية، أندرياس راسبوتنيك، إن الاتحاد الأوروبي يمثل فاعلاً رئيساً في الجزء الأوروبي من القطب الشمالي، لكنه يعد «فاعلاً ثانوياً نوعاً ما» في المنطقة الأوسع.

ويعني ذلك من الناحية العملية، أن نفوذ الاتحاد الأوروبي يظل أقل تأثيراً مقارنة بالتحركات الروسية والصينية خارج النطاق الأوروبي، حيث كثفت موسكو وبكين تعاونهما العسكري، بما في ذلك إجراء مناورات جوية وبحرية مشتركة بالقرب من مضيق بيرينغ، إلى جانب اختبار تقنيات جديدة في الظروف القطبية القاسية.

«حارس القطب»

وفي الوقت نفسه، يعمل حلف شمال الأطلسي (الناتو) على تكييف استراتيجيته مع المتغيرات الأمنية المتسارعة في القطب الشمالي. وجاء ذلك في أعقاب مزاعم ترامب بأن الدنمارك والحلف لا يبذلان جهوداً كافية في ما يتعلق بغرينلاند. فقد أعلن الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، إطلاق مهمة «حارس القطب الشمالي» في فبراير 2026، بهدف تعزيز عمليات المراقبة والأمن والتنسيق في منطقة القطب الشمالي وأقصى الشمال.

وكثف الحلف الذي يضم سبعاً من الدول الثماني المطلة على القطب الشمالي، عمليات المراقبة في المنطقة، تزامناً مع جهود تستهدف حماية الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية، فضلاً عن تطوير قدراته في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية.

ومع ذلك، يحذر عدد من الخبراء من أن إجراءات الردع الحالية لاتزال غير كافية لمواجهة طبيعة التحديات المتزايدة في المنطقة، لاسيما مع تنامي ما يعرف بالتهديدات أو الهجمات الهجينة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية ووسائل الاتصال والملاحة.

وقالت المحللة السياسية، ماريا مارتيسيوت، إن معظم الهجمات الهجينة، بما فيها تلك التي تستهدف البنية التحتية الحيوية الموجودة تحت سطح البحر أو أنظمة الملاحة، تقع في المناطق الاقتصادية الخالصة للدول، موضحة أن المشكلة تكمن في أن قانون البحار يفرض قيوداً على قدرة السلطات في تلك المناطق على صعود السفن أو احتجازها عندما توجد شبهات، على سبيل المثال، بشأن قيامها بعمليات مسح أو مراقبة تثير الريبة.

وأضافت أن هذا الوضع قد يؤدي إلى نشوء ثغرة قانونية تُعرقل الاستجابة لمثل هذه الحوادث، لافتة إلى أنه حتى في حال توافر أدلة تشير إلى أن سفينة ما تسببت في إتلاف كابل بحري تابع لدولة حليفة في «الناتو»، على سبيل المثال، فقد تظل صلاحيات السلطات في التدخل محدودة بموجب القواعد القانونية المنظمة للمياه الدولية، والمناطق الاقتصادية الخالصة.

تداعيات مباشرة

ورغم أن القطب الشمالي يقع في أقصى شمال الكرة الأرضية وبعيد جغرافياً عن معظم العواصم الأوروبية، فإن التنافس المتصاعد فيه يحمل تداعيات مباشرة على أمن أوروبا ومصالحها الاقتصادية.

وتشمل هذه التداعيات قضايا الطاقة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين طرق التجارة والنقل، فضلاً عن المنافسة على المعادن والمواد الخام اللازمة لتنفيذ التحولين الأخضر والرقمي في أوروبا.

وتبرز غرينلاند بوصفها إحدى الركائز الأساسية لهذه الطموحات الأوروبية، نظراً إلى ما تمتلكه من ثروات معدنية كبيرة. ووفقاً لدراسة أجرتها المفوضية الأوروبية، فإن 25 مادة من أصل 34 معدناً تم رصدها في الجزيرة صنفت ضمن فئة «المواد الخام الحيوية».

وتكتسب هذه المواد أهمية بالغة بالنسبة إلى أوروبا، نظراً إلى استخدامها في مجموعة واسعة من التقنيات الحديثة، من بينها الألواح الشمسية والبطاريات، فضلاً عن أهميتها في تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.

العلاقة مع غرينلاند

وخلال السنوات الأخيرة، عمل الاتحاد الأوروبي على تعميق علاقاته مع غرينلاند في مجالي الطاقة والمعادن الأرضية النادرة، كما كثف جهوده في هذا الاتجاه عقب المساعي التي قادها ترامب لشراء الجزيرة الغنية بالموارد المعدنية.

وشملت الخطوات الأوروبية افتتاح مكتب دائم للاتحاد الأوروبي في عاصمة غرينلاند «نوك» عام 2024، إلى جانب مضاعفة التمويل الأوروبي الموجه إلى الجزيرة، وتعزيز المشاركة السياسية، بما في ذلك دعم السلامة الإقليمية لغرينلاند.

ويرى الباحث في مركز القطب الشمالي في جامعة لابلاند الفنلندية، آدم ستيبين، أن الشراكة مع غرينلاند تكتسب أهمية خاصة لسببين رئيسين، أولاً أنها تعكس استعداد الاتحاد الأوروبي لدعم سيادة الجزيرة وسلامتها الإقليمية، رغم أن غرينلاند ليست جزءاً من الاتحاد الأوروبي. وثانياً أنها تكشف في الوقت نفسه حدود ما تستطيع بروكسل تحقيقه عندما يتعلق الأمر بتطوير الموارد الطبيعية التي تحتاج إليها أوروبا. وقال ستيبين إن الاتحاد الأوروبي يمتلك الرغبة والسياسات اللازمة لدعم مشروعات ذات أولوية محددة، لكنه لا يمتلك نفوذاً على القضايا الداخلية في تلك الدول التي تملك الموارد.

عن «ذا بارلمنت»

. القطب الشمالي يحتوي على 13% من احتياطيات النفط العالمية غير المكتشفة، و30% من احتياطيات الغاز الطبيعي.

فجوة

يرى محللون وباحثون أن المشكلة التي تواجه العديد من استراتيجيات وبيانات المفوضية الأوروبية المتعلقة بالقطب الشمالي تتمثل في أنها تبدو جيدة من الناحية النظرية وعلى الورق، لكنها غالباً ما تفتقر إلى إجراءات عملية جديدة وملموسة يمكن أن تُحدث تحولاً حقيقياً في حضور الاتحاد الأوروبي ونفوذه داخل المنطقة.

وأوضحوا، على سبيل المثال، أن افتتاح مكتب الاتحاد الأوروبي في غرينلاند لم يتم إلا بعد سنوات من النقاشات، الأمر الذي يعكس الفجوة القائمة بين الطموحات التي تعلنها بروكسل وسرعة تنفيذ الخطوات العملية على الأرض.

 

الأكثر مشاركة