فيضانات نيبال جرفت بلدات وقرى وتسببت في أضرار واسعة. من المصدر

من الهند إلى نيبال.. كوارث الهيمالايا تكشف كلفة التغير المناخي

عندما اجتاح تدفق هائل من الحطام، ناتج عن فيضان، أحد الأودية في جبال الهيمالايا، جارفاً في طريقه بلدات وقرى، ومتسبباً في أضرار واسعة طالت آلاف الأشخاص، لم يكن هذا المشهد يرتبط فقط بالكارثة المدمرة التي وقعت أخيراً على الحدود بين نيبال والتبت، بل أعاد إلى الأذهان كارثة مماثلة شهدتها منطقة الهيمالايا الشرقية في الهند عام 2023، وخلّفت آثاراً عميقة لاتزال المجتمعات المحلية تعاني تداعياتها حتى اليوم.

وارتبطت كارثة عام 2023 بالتغير المناخي، حيث نجمت عن ذوبان وفيضان بحيرة جليدية تُعرف باسم «غولف»، ووقعت الكارثة في ظلام الليل، في الثالث من أكتوبر عام 2023، عندما أدى ذوبان البحيرة وانهيارها إلى إطلاق تدفق هائل من الحطام، قُدّر حجمه بنحو 270 مليون متر مكعب، ما تسبب في دمار واسع النطاق، طال السكان والبنية التحتية في وادي نهر تيستا.

ومنذ وقوع الكارثة، يواصل عدد من الباحثين دراسة آثارها وسبل التعافي منها، في محاولة لفهم التداعيات طويلة الأمد التي خلّفها الفيضان على المجتمعات المحلية.

وناقش مشاركون في مجموعات بحثية بولاية سيكيم شمال الهند، الآثار المستمرة للفيضان على البيئة المحيطة بهم، إلى جانب انعكاساته على صحتهم النفسية.

ووصف أحد المشاركين حجم التغيرات التي طرأت على المنطقة، قائلاً إن «أساسات التلال في وادي تيستا أصبحت ضعيفة، وإن موسم الأمطار بات بالغ الصعوبة»، مضيفاً أن المنطقة بأكملها أصبحت معرّضة للانزلاقات الأرضية.

مخاطر متتابعة

ولم تقتصر تداعيات الكارثة على الأضرار التي حدثت لحظة وقوع الفيضان، بل تفاقمت المعاناة نتيجة المخاطر المتتابعة، إلى جانب عمق أوجه التفاوت السياسي والاقتصادي، وهو ما أدى إلى تعثر جهود إعادة الإعمار، ومنع تحقيق تعافٍ حقيقي ومستدام منذ عام 2023.

وفي هذا السياق، حذّرت جمعية خيرية بيئية محلية من أن الانهيارات المتكررة للطرق والجسور، التي تتسبب فيها الانهيارات الأرضية والفيضانات التي تكررت خلال السنوات التي أعقبت فيضان البحيرة الجليدية عام 2023، أدت إلى عزل العديد من المجتمعات عن محيطها، وزادت من صعوبة وصول المساعدات والخدمات الأساسية إليها.

التغير المناخي

غير أن كارثة عام 2026 التي وقعت في منطقة الحدود بين نيبال والتبت تختلف من حيث أسبابها عن كارثة سيكيم الهندية، حيث لم تكن هناك بحيرة جليدية وراء حدوثها. ومع ذلك، فإن الخبراء يثقون بالفعل في ارتباط الكارثة الجديدة بالتغير المناخي، وعلى الرغم من اختلاف العمليات الجيولوجية والطبيعية التي أدت إلى وقوع الكارثتين، فإن النتائج التي خلّفتاها كانت متشابهة إلى حد كبير من حيث حجم الدمار والمعاناة التي لحقت بالسكان.

ومن المتوقع أن تصبح منطقة وادي بوتيكوشي، الواقعة على الحدود بين نيبال والتبت، أكثر عرضة لعدم الاستقرار مما كانت عليه قبل أغسطس 2026، ولذلك سيكون من الضروري أن تراعي جهود إعادة الإعمار هذا الواقع الجيوفيزيائي الجديد، حتى لا تؤدي عمليات إعادة التوطين أو إقامة البنية التحتية في مواقع غير مناسبة إلى خلق مخاطر كارثية جديدة تهدد السكان الذين يفترض أن يستفيدوا من جهود التعافي.

التمويل

وعلى خلاف ما حدث في سيكيم، لم يتم تصنيف الفيضان باعتباره «كارثة» في ولاية البنغال الغربية، وهو ما ترتب عليه رصد قدر محدود للغاية من الأموال الحكومية لمساعدة مئات الأشخاص الذين تضرروا من الكارثة، الأمر الذي زاد من حجم الفجوة في الدعم بين المجتمعات المتضررة.

وفي ظل عدم كفاية التمويل المخصص لعمليات التعافي في كلتا الولايتين، تشير نتائج الأبحاث إلى أن العديد من الأشخاص الذين تضرروا من كارثة عام 2023، والذين لايزالون معرضين لمخاطر كوارث مستقبلية، يرغبون في الانتقال إلى مناطق أخرى أكثر أمناً، إلا أنهم يفتقرون إلى الوسائل والإمكانات التي تمكنهم من تنفيذ هذا الانتقال.

ولايزال مئات الأشخاص يعيشون، بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على الكارثة، في مساكن مؤقتة تفتقر إلى الأمان، الأمر الذي يعكس حجم التأخر في عمليات التعافي، ويشير إلى أن الاستجابة للكارثة لم تنجح حتى الآن في توفير حلول طويلة الأمد لجميع المتضررين.

توزيع الموارد

ومن هنا، يتعين على المسؤولين والقائمين حالياً على جهود التعافي وإعادة الإعمار في نيبال أن يدركوا أيضاً أن الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية تؤثر بصورة مباشرة في نتائج عمليات التعافي، فالتداخل بين عوامل الجغرافيا، والطبقة الاجتماعية، والعرق، والنوع الاجتماعي، والقدرات البدنية، يمكن أن يؤدي إلى تفاوت واضح في فرص الحصول على المساعدات والموارد، وبالتالي إلى نتائج تعافٍ غير متكافئة وغير مكتملة، وهو أمر سبق أن ظهر بوضوح منذ وقوع كارثة فيضان البحيرة الجليدية عام 2023.

وتمثل عملية توزيع الموارد على المتضررين تحدياً كبيراً، نظراً إلى النطاق الجغرافي الواسع الذي امتدت إليه آثار الكارثة، فالضحايا والمفقودون ينحدرون من مناطق مختلفة من نيبال، بينما تتوزع أماكن وجودهم على مسافات تمتد لمئات الكيلومترات، الأمر الذي يجعل الوصول إليهم وتحديد احتياجاتهم وتوفير الدعم اللازم لهم مهمة شديدة التعقيد.

التعرّض المزدوج

ويواجه سكان المجتمعات المتضررة في الهيمالايا من هاتين الكارثتين ما يُعرف بـ«التعرض المزدوج»، فمن جهةٍ تعدّ هذه المجتمعات من بين الأقل استفادة من نموذج التنمية الاقتصادية العالمي القائم على الوقود الأحفوري، في حين أنها، من جهة أخرى، تقع جغرافياً ضمن المناطق الأكثر عرضة للكوارث المرتبطة بالتغير المناخي.

ويزيد الدور الذي تلعبه سدود الطاقة الكهرومائية في كلتا الكارثتين من تعقيد المشهد، حيث لا يقتصر الأمر على تحمل السكان المحليين المتضررين العبء الأكبر من تداعيات تغير المناخ، بل يتحملون أيضاً تبعات الاستجابات والسياسات السائدة للتعامل مع هذه الظاهرة، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية والطاقة التي قد تزيد من تعرّض بعض المجتمعات للمخاطر.

عن موقع «كونفرزيشن»

. كارثة نيبال أعادت إلى الأذهان كارثة مماثلة شهدتها منطقة الهيمالايا الشرقية في الهند عام 2023، ونجمت عن ذوبان بحيرة جليدية وفيضانها.

الأكثر مشاركة