اجتماع بالاو شهد غياب 5 قادة على الأقل من دول المحيط الهادئ. رويترز

تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ في المحيط الهادئ يهدد الوحدة الإقليمية

اختتم الاجتماع الـ55 لقادة منتدى جزر المحيط الهادئ أعماله في بالاو، في وقت لم يعد فيه ممكناً تجاهل حقيقة تنامي التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في منطقة المحيط الهادئ.

وطرح الاجتماع الذي استمر خمسة أيام تساؤلاً جوهرياً بشأن مستقبل نموذج التوافق الذي يتبعه المنتدى، وما إذا كان هذا النموذج الذي شكّل في وقت من الأوقات ضمانة لحماية سيادة الدول الصغيرة ومصالحها، قد تحول إلى الآلية نفسها التي يمكن من خلالها للقوى الخارجية التأثير في النتائج والقرارات الإقليمية وإعادة تشكيلها.

وكان الشعار الرسمي لاجتماع قادة منتدى جزر المحيط الهادئ لهذا العام، هو «بناء الاقتصادات والحياة والعمل والوحدة»، في إشارة إلى الرغبة في تأكيد العزم الجماعي لدول المنطقة، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة. إلا أن أعمال الاجتماع اتسمت، بدلاً من ذلك، بعدد من الغيابات اللافتة وتعثر مسار التوافق بشأن عدد من القضايا، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى قدرة المنتدى على الحفاظ على وحدته في ظل تصاعد التنافس الدولي على منطقة المحيط الهادئ.

وجاءت عودة تايوان، بعد استبعادها خلال العام الماضي، لتضيف بعداً آخر إلى هذه التحديات.

ورأى مراقبون أن مجريات اجتماع هذا العام عكست، إلى حد ما، تنامي قدرة بكين على التأثير في أهم مؤسسة متعددة الأطراف في منطقة المحيط الهادئ، ليس من خلال مواقفها المباشرة فحسب، وإنما أيضاً عبر علاقاتها مع عدد من الدول الأعضاء، بما قد يؤدي إلى تعطيل قدرة المنتدى على اتخاذ مواقف جماعية بشأن القضايا الحساسة.

غياب قادة

وشهد الاجتماع غياب خمسة قادة على الأقل من دول المحيط الهادئ، حيث أوفدت كيريباتي وساموا وفانواتو نواباً عن قادتها أو مسؤولين، في حين بقي رئيس وزراء فيجي، سيتيفيني رابوكا، في بلاده لمتابعة الشؤون الداخلية.

وكان الغياب الأكثر لفتاً للانتباه لرئيس وزراء جزر سليمان، ماثيو ويل، الذي وصل إلى بالاو للمشاركة في الاجتماع، لكنه غادر بعد ساعات قليلة فقط، عقب تقديم مذكرة لحجب الثقة عنه في بلاده.

وقد تولى ويل منصب رئيس الوزراء لمدة لم تتجاوز ثلاثة أشهر، كما كان يشغل منصب الرئيس المنتهية ولايته لمنتدى جزر المحيط الهادئ، وكان من المفترض أن يسلم رئاسة المنتدى إلى رئيس بالاو، سورانجل ويبس جونيور. إلا أن التطورات السياسية الداخلية في جزر سليمان حالت دون إتمام عملية التسليم بالشكل المتوقع، وغادر ويل بالاو، تاركاً وزير الخارجية ريك هوو لتمثيل بلاده في القمة.

أما حالة كيريباتي، فكانت من بين أكثر الحالات إثارة للاهتمام خلال الاجتماع، حيث لم يوفد الرئيس تانيتي مااماو، أحد وزراء حكومته للمشاركة، وإنما أرسل مدير السلك الدبلوماسي لديه والسفير السابق لدى الصين، ديفيد تيابو.

وفي منظمة تعتمد قراراتها على الإجماع بين رؤساء الدول والحكومات، فإن إرسال مسؤول دبلوماسي من مستوى أدنى، ولا يمتلك بالضرورة السلطة الكاملة للالتزام بصياغة البيان الختامي، حمل في حد ذاته دلالة سياسية واضحة بشأن موقف كيريباتي من عدد من القضايا المطروحة على جدول أعمال المنتدى.

أزمة الصواريخ

وأصبح موقف كيريباتي أكثر وضوحاً في ضوء أزمة الصواريخ التي سبقت انعقاد القمة، ففي السادس من يوليو الماضي، أجرت الصين تجربة لإطلاق صاروخ بالستي من غواصة في المحيط الهادئ. وعبر الصاروخ، الذي كان يحمل رأساً حربياً وهمياً، المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من ولايات ميكرونيزيا الاتحادية وناورو وكيريباتي، قبل أن يسقط بالقرب من الحدود البحرية لتوفالو.

ولم تمنح بكين الدول الجزرية المتضررة في المحيط الهادئ سوى فترة قصيرة جداً، لا تتجاوز بضع ساعات، لإخطارها مسبقاً بالتجربة، وهو ما أثار مخاوف وتساؤلات بشأن سلامة المنطقة واحترام مصالح الدول الجزرية وسيادتها في مياهها الاقتصادية.

وجاءت ردود الفعل على التجربة الصاروخية سريعة، على الأقل من جانب الدول التي أعلنت مواقفها بشكل واضح. فقد أشار رئيس وزراء بابوا غينيا الجديدة، جيمس مارابي، إلى التاريخ المؤلم للتجارب النووية التي شهدتها منطقة المحيط الهادئ، مؤكداً أن دول المنطقة «لا تريد أن يتكرر التاريخ». كما وصف رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، التجربة بأنها «استفزازية» و«مزعزعة للاستقرار».

نظام الإجماع

لكن عندما اجتمع وزراء خارجية دول المحيط الهادئ في فيجي أوائل أغسطس الماضي، لم يتمكنوا من التوصل إلى التوافق المطلوب لإصدار إدانة مشتركة للتجربة، بعدما عرقلت كيريباتي وناورو هذا المسار.

وأعاد ذلك إلى الواجهة النقاش حول طبيعة نظام الإجماع الذي يقوم عليه منتدى جزر المحيط الهادئ، ومدى قدرته على التعامل مع القضايا الأمنية والاستراتيجية في ظل تباين علاقات الدول الأعضاء مع القوى الخارجية.

وقد عمل منتدى جزر المحيط الهادئ تاريخياً وفق مبدأ الإجماع، وهي ممارسة ترتبط بما يطلق عليه قادة دول المحيط الهادئ «طريقة المحيط الهادئ»، والتي تقوم على التشاور والحوار وتهدف إلى ضمان عدم تجاهل رأي أي دولة جزرية، مهما كان حجمها أو قدراتها، من جانب الدول الأكبر والأكثر نفوذاً في المنطقة.

وكان هذا النموذج قائماً على افتراض أساسي مفاده أن الضغوط الخارجية ستظل محدودة وهامشية في مداولات المنتدى، وأن الدول الأعضاء ستكون قادرة على استخدام مبدأ الإجماع لحماية مصالحها الجماعية. غير أن هذا الافتراض يواجه اختباراً متزايداً مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ في المحيط الهادئ.

وأعرب وزير خارجية نيوزيلندا، وينستون بيترز، عن إحباطه من هذا الوضع بشكل صريح، مشيراً إلى أن دولتين «كانتا تسعيان إلى استخدام الحاجة إلى التوافق كبند حق النقض». وقال بيترز: «لا نعتقد أن على الأطراف الخارجية أن تملي على الأطراف الداخلية المواقف التي ينبغي اتخاذها».

توازنات

ولا يقتصر انحياز كيريباتي إلى بكين على تعطيل إصدار بيان مشترك من جانب منتدى جزر المحيط الهادئ، حيث ظهرت مؤشرات أخرى على عمق التحول في سياستها الخارجية، ففي أواخر أغسطس، أقر البرلمان في كيريباتي في القراءة الأولى تعديلاً دستورياً من شأنه تقييد الاعتراف الدبلوماسي بالدول التي تتمتع بعضوية الأمم المتحدة أو بصفة مراقب دائم.

ووصف غرايم سميث، من الجامعة الوطنية الأسترالية، هذه الخطوة بأنها «تهدف بشكل شبه كامل إلى إرسال رسالة إلى بكين»، في إشارة إلى أن التعديل المقترح قد يكون مرتبطاً بشكل مباشر بالتوازنات الدبلوماسية في المنطقة، لاسيما المنافسة بين الصين وتايوان على كسب الدعم والعلاقات الرسمية من دول المحيط الهادئ.

وفي هذا السياق، ربما تكون عودة تايوان إلى منتدى جزر المحيط الهادئ قد أسهمت أيضاً في تفسير غياب بعض الدول الأعضاء عن الاجتماع على مستوى رفيع، أو في تفسير طبيعة التمثيل الذي اختارت بعض الحكومات إرساله إلى القمة.

ففي العام الماضي، عندما استضافت جزر سليمان الاجتماع الـ54 لقادة المنتدى، جرى استبعاد جميع الشركاء الخارجيين من الاجتماع. وكان السبب المعلن آنذاك هو إجراء مراجعة لترتيبات الشراكة، إلا أن النتيجة العملية كانت استبعاد تايوان.

أما هذا العام، ومع استضافة بالاو للاجتماع، فقد تبدلت المعادلة، خصوصاً أن بالاو تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان.

عن «ذا دبلومات»

. تساؤلات حول مدى قدرة منتدى جزر المحيط الهادئ الحفاظ على وحدته بعد اجتماع بالاو الذي اتسم بالغيابات وتعثر مسار التوافق.

. منتدى جزر المحيط الهادئ يعمل وفق مبدأ الإجماع القائم على التشاور والحوار، ويهدف إلى ضمان عدم تجاهل رأي أي دولة.

تعطيل العمل الجماعي

عندما تستخدم دولة عضو في منتدى جزر المحيط الهادئ، تربطها علاقات وثيقة بقوة خارجية حقوقها داخل نظام الإجماع لمنع توجيه انتقاد جماعي إلى تلك القوة، فإن النموذج الذي صُمم أصلاً لحماية الدول الصغيرة ومنع هيمنة الدول الكبرى يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل العمل الجماعي وتقويض قدرة المنتدى على اتخاذ مواقف موحدة تجاه القضايا التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.

الأكثر مشاركة