أوروبا لن تقود سباق الذكاء الاصطناعي من دون الاستثمار في الإنسان
يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تحول جذري في أساليب العمل والتعلم والابتكار، ومع ذلك، لن تتحدد القدرة التنافسية لأوروبا بالتقنيات التي تطورها فحسب، بل بمدى كفاءتها في إعداد الأفراد لاستخدامها.
وإذا أرادت أوروبا أن تحافظ على ابتكارها وتنافسيتها وتماسكها الاجتماعي، فإن إعداد أنظمتها التعليمية لعصر الذكاء الاصطناعي يُعد أحد أهم الخيارات الاستراتيجية في هذا العصر.
وأسهمت جائحة كورونا في تسريع «رقمنة» التعليم، لكنها كشفت أيضاً عن مواطن ضعف هيكلية في الأنظمة التعليمية في أنحاء أوروبا، لاتزال تؤثر في ملايين المتعلمين، من بينها عدم تكافؤ فرص الوصول إلى التكنولوجيا، وعدم كفاية البنية التحتية الرقمية، ونقص تدريب المعلمين، والتفاوت المستمر في المهارات الرقمية.
بل إن التطور السريع للذكاء الاصطناعي، زاد من إلحاح هذه التحديات، وفي الوقت نفسه يتيح فرصة فريدة لإعادة النظر في كيفية تدريسنا وتعلمنا وإعداد الأجيال المقبلة لعالم بات فيه التغيير التكنولوجي هو القاعدة.
وخلال السنوات الأخيرة، بات الدرس أكثر وضوحاً بالنسبة لي: إذا أرادت أوروبا قيادة التحول الرقمي، فعليها أولاً الاستثمار في الأشخاص الذين سيقودونه.
وقد وجّه هذا الاعتقاد عملي في البرلمان الأوروبي، بدءاً من عملي مقرراً لأول تقرير للبرلمان حول التعليم الرقمي، وصولاً إلى الدعوة إلى إطار أوروبي أقوى يساعد الدول الأعضاء على تبني الابتكار، مع ضمان عدم تخلف أي طالب أو معلم أو مجتمع عن الركب.
وعلى الرغم من أن التعليم يبقى في المقام الأول من اختصاص الدول، فإن الاتحاد الأوروبي يتحمل مسؤولية دعم الجهود الوطنية، ولديه فرصة للقيام بذلك من خلال وضع معايير مشتركة واستثمارات استراتيجية وتعاون أوثق، وليس عبر استبدال دور الدول الأعضاء، بل بمساعدتها على التقدم معاً.
وبإمكان أوروبا توفير إطار عمل مشترك للاستخدام الآمن والأخلاقي والفعال للذكاء الاصطناعي في التعليم، مع إتاحة مرونة كافية للأنظمة الوطنية للاستجابة لواقعها الخاص. وينبغي ألا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية أخرى يتعلم الشباب استخدامها فحسب، بل يجب أن يفهموا كيفية عمله، وأن يدركوا فرصه وحدوده، وأن يعملوا على تنمية التفكير النقدي اللازم لتوجيه التقدم التكنولوجي بدلاً من التكيف معه بشكل سلبي.
ودافعتُ لسنوات عديدة عن ضرورة إدراج الذكاء الاصطناعي والروبوتات في التعليم المدرسي منذ الصغر، من خلال دمج هذه الموضوعات في المناهج الدراسية الحالية بطريقة مناسبة لأعمار الطلاب. ويتطلب إعداد الشباب لعصر الذكاء الاصطناعي إعادة النظر في أساليب التدريس، لا مجرد توسيع نطاق المناهج.
ويعني هذا أيضاً ضمان تطوير الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع الخبراء في مجال التعليم. ويجب أن يكون المعلمون والباحثون والمتخصصون في التعليم شركاء فاعلين في تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها، بحيث تعزز التكنولوجيا عملية التعلم بدلاً من أن تحل محل العلاقات الإنسانية التي تبقى جوهر كل فصل دراسي.
ويفتقر اليوم 43% من الأطفال والمراهقين في أوروبا الذين تراوح أعمارهم بين 13 و14 عاماً إلى المهارات الرقمية الأساسية، بينما لا يمتلك أربعة من كل 10 بالغين الكفاءات الرقمية التي يتطلبها سوق العمل بشكل متزايد. وهذه مؤشرات حاسمة على القدرة التنافسية لأوروبا في المستقبل. ويبدأ التصدي لهذا التحدي بالمعلمين.
ويمكن للتكنولوجيا أن تدعم التعليم بطرق رائعة، لكنها لن تحل أبداً محل التوجيه والتعاطف والحكمة التي يقدمها المعلمون في كل فصل دراسي.
وينبغي أن يساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على تقليل المهام الإدارية، وتخصيص التعلم، وإتاحة المزيد من الوقت لما هو أهم، أي إلهام الجيل المقبل وتوجيهه وإعداده.
ويستخدم العديد من الطلاب بالفعل الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية، بينما غالباً ما يفتقر المعلمون إلى التدريب اللازم لدمج هذه الأدوات بفاعلية في الفصول الدراسية.
ويُعد سد هذه الفجوة مهماً بالقدر ذاته الذي ينطوي عليه الاستثمار في التكنولوجيا نفسها. ويجب أن يصبح التطوير المهني المستمر في مجال الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي أولوية أوروبية.
وقد أسهمت هذه الرؤية أيضاً في تشكيل المبادرات التي اتبعتها في البرلمان. وسواء من خلال دعم المجموعة البرلمانية المعنية بمستقبل التعليم والمهارات من أجل أوروبا تنافسية، أو دعم المشاريع التجريبية التي وسعت نطاق الوصول إلى التعليم الرقمي، أو الدعوة إلى زيادة الاستثمار في التعليم والمهارات والابتكار، فقد كان هدفي دائماً ضمان حصول كل أوروبي على فرصة للاستفادة من التحول الرقمي.
فيكتور نيغريسكو*
*نائب رئيس البرلمان الأوروبي
عن «بارليمنت ماغازين»
. يفتقر 43% من الأطفال والمراهقين في أوروبا الذين تراوح أعمارهم بين 13 و14 عاماً إلى المهارات الرقمية الأساسية، بينما لا يمتلك 4 من كل 10 بالغين الكفاءات الرقمية التي تتطلبها سوق العمل بشكل متزايد.
. ينبغي أن يساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على تقليل المهام الإدارية، وتخصيص التعلم، وإتاحة المزيد من الوقت لما هو أهم، أي إلهام الجيل المقبل وتوجيهه وإعداده.