إفريقيا غير مستعدة لمعالجة معادنها ومواردها الطبيعية محلياً
اكتسبت فكرة ضرورة قيام الدول الإفريقية بمعالجة معادنها محلياً زخماً متزايداً على الصعيد السياسي، ولأسباب وجيهة، فبعد عقود من تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية، أصبحت الحُجة القائلة بضرورة أن تستفيد إفريقيا بشكل أكبر من ثروتها المعدنية الهائلة، مقنعة وضرورية في آن واحد، لكن في حين أن الهدف يبدو صحيحاً، فإن هذا الخطاب يخاطر بتبسيط التحدي بشكل مفرط.
فالمشكلة لا تكمن في أن إفريقيا تصدر المعادن الخام؛ فالقارة لم تبنِ بعد النُظم الصناعية اللازمة لتحويل مواردها الطبيعية إلى تنمية اقتصادية مستدامة، ويمكن أن يُشكّل تطوير عمليات المعالجة وأشكال القيمة المضافة الأخرى جزءاً مهماً من هذه العملية، لكنها لا تكفي بحد ذاتها، إذ قد تقوم دولة ما بتكرير معادنها محلياً، بينما تظل معتمدة على التقنيات الخارجية، ورأس المال، والأسواق، ومراحل الإنتاج ذات القيمة الأعلى، لذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في استخدام سلاسل القيمة المعدنية كأساس لقدرات صناعية أوسع نطاقاً، والتحديث التكنولوجي، والتنويع الاقتصادي.
التجربة الإندونيسية
تُعدّ إندونيسيا مثالاً جيداً على ذلك، ففي يناير 2014، حظرت البلاد تصدير خام «النيكل» غير المعالج لتشجيع القيمة المضافة محلياً. ومع ذلك، ظلت القدرات المحلية غير كافية لتحويل موارد النيكل في البلاد على نطاق واسع، لذا تم تخفيف القيود جزئياً في عام 2017، وعندما أُعيد فرض حظر التصدير في عام 2020، كانت النتيجة مختلفة بشكل ملحوظ، فقد نضجت منظومة الاستثمار بشكل كبير، ووضعت الحكومة استراتيجية أوسع نطاقاً لتطوير قطاع المعالجة المحلية، وقام المستثمرون الأجانب، (خصوصاً من الصين) باستثمارات ضخمة في قطاع المعالجة المحلية.
ونتيجة لذلك، ازداد عدد مصاهر النيكل بشكل كبير، ما أسهم في ارتفاع حاد بقيمة صادرات المنتجات المشتقة من النيكل من نحو 4.5 مليارات دولار في عام 2019 إلى 19.6 مليار دولار في عام 2022.
وبالتالي، توضح التجربة الإندونيسية أن حظر التصدير وحده لا يؤدي تلقائياً إلى التصنيع، بل تعتمد فاعليته على الاستثمار والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والتمويل، وظروف السوق اللازمة لبناء منظومة معالجة قابلة للاستمرار.
ومع ذلك، تكشف التجربة الإندونيسية، أيضاً، عن تحد ثانٍ أكثر جوهرية، فعلى الرغم من أن البلاد نجحت في التحول من تصدير خام النيكل الخام إلى الصهر والتكرير المحليين، فإن جزءاً كبيراً من هذا التحول كان مدفوعاً بالاستثمار الأجنبي، لاسيما من الشركات الصينية، لذلك لعب رأس المال والتكنولوجيا الأجنبيان دوراً محورياً في توسع صناعة معالجة النيكل الإندونيسية. ونتيجة لذلك، نجحت البلاد في الحصول على حصة أكبر من القيمة المتولدة من مواردها من النيكل، لكن هذا لم يترجم إلى تطور متناسب في قدراتها الصناعية المحلية.
بناء القدرات
إن «القيمة المحلية» و«القدرة الصناعية المحلية» ليسا الشيء نفسه، فمن الممكن إضافة قيمة داخل بلد ما، في حين أن رأس المال والتكنولوجيا والمعرفة والملكية وقدرات التصنيع عالية القيمة اللازمة لتوليد تلك القيمة، قد تظل خاضعة لسيطرة خارجية. ويتطلب تطوير قدرة صناعية حقيقية أكثر من مجرد إنشاء منشآت معالجة داخل الحدود الوطنية، إذ يعتمد أيضاً على بناء القدرات التكنولوجية والمالية والإدارية والإنتاجية التي تُشكّل أساساً لخلق القيمة. وبالتالي، فإن السؤال الحاسم لا يقتصر على مقدار القيمة التي يتم استيعابها محلياً فحسب، بل يتعلق أيضاً بمن يمتلك ويسيطر على رأس المال، والتكنولوجيا، والمعرفة، وأنشطة التصنيع ذات القيمة المضافة العالية.
وهذا الدرس ذو صلة وثيقة بإفريقيا، فلاشك في أن رأس المال والتكنولوجيا والمهارات الأجنبية يمكن أن تدعم التنمية الصناعية من خلال تسهيل نقل التكنولوجيا والمعرفة، وتخصص القوى العاملة، وظهور قدرات محلية جديدة. والسؤال الحاسم هو ما إذا كانت هذه القدرات يمكن أن تترسخ بقوة في الاقتصاد المحلي، ما يُعزّز الشركات المحلية، ويبني القدرات التكنولوجية والبشرية، ويولد روابط أعمق عبر النظام البيئي الصناعي الأوسع، وإلا فإن التصنيع يواجه خطر أن يصبح نشاطاً معزولاً، حيث تتركز التكنولوجيا، ورأس المال، والملكية، والقدرات الاستراتيجية خارج البلد الذي يجري فيه الإنتاج.
شروط ضرورية
ويشير هذا إلى تحدٍ أوسع نطاقاً، فلكي تترسخ صناعة معالجة المعادن وتتطور لتصبح نظاماً صناعياً أوسع نطاقاً، يجب توافر شروط معينة، إذ تتطلب معالجة المعادن طاقة موثوقة وبأسعار معقولة، وبنية تحتية فاعلة للنقل، إضافة إلى مياه، وتكنولوجيا، وعمالة ماهرة، وإمكانية الوصول إلى رأس المال، وأسواق تنافسية.
لاتزال بلدان إفريقية عدة تواجه قيوداً في العديد من هذه الأبعاد، وهذا يخلق أيضاً مشكلة جوهرية تتعلق بالحجم بالنسبة لإفريقيا، فليس كل بلد يمتلك قاعدة الموارد، أو حجم السوق، أو البنية التحتية، أو المهارات، أو رأس المال، أو القدرات التكنولوجية اللازمة لتطوير نظام كامل للمعالجة لكل معدن ينتجه. وقد تؤدي محاولة تكرار سلاسل القيمة بأكملها داخل كل اقتصاد وطني إلى استثمارات مجزأة، وقدرات غير مستغلة بالكامل، وتكرار غير فعّال. ويتمثّل النهج الأكثر قابلية للتطبيق، في بناء سلاسل قيمة إقليمية مترابطة للمعادن، تتخصص فيها الدول وفقاً لقدراتها النسبية وأوجه التكامل بينها، مع التنسيق عبر الحدود في مجالات البنية التحتية والطاقة والمهارات والتمويل والتكنولوجيا والأسواق.
عن «مودرن دبلوماسي»
. النهج الأكثر قابلية للتطبيق في إفريقيا هو بناء سلاسل قيمة إقليمية مترابطة للمعادن تتخصص فيها الدول وفقاً لقدراتها النسبية.