رائد الفضاء الأميركي يتوسط زميليه الروسيين. أرشيفية

الفضاء.. آخر جسور التعاون بين واشنطن وموسكو يواجه اختباراً جديداً

كانت مجرد مصافحة بسيطة، لكنها أصبحت ترمز إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير. ففي عام 1975، ومع انحسار توترات الحرب الباردة، تصافح قائد أميركي ونظيره السوفييتي في الفضاء، بعد أن التحمت مركبتاهما الفضائيتان. وأصبحت بعثة «أبولو - سويوز» رمزاً بارزاً للتهدئة، ولحظة نادرة من التعاون بين خصمين نوويين، إذ ظل الطاقمان معاً في المدار لأكثر من 40 ساعة.

وفي هذا الشهر، انطلق رائدا فضاء روسيان ورائد فضاء أميركي من قاعدة «بايكونور» الفضائية في كازاخستان، على متن مركبة فضائية من طراز «سويوز»، متجهين إلى المحطة الفضائية الدولية، بحضور مسؤولين من برنامج الفضاء في البلدين.

لكنهم، من نواحٍ عدة، كانوا يطيرون عكس التيارات الجيوسياسية السائدة. فعلى مدى نصف قرن، ظل الفضاء أحد المجالات القليلة التي واصلت فيها واشنطن وموسكو العمل معاً، على الرغم من الأزمات على الأرض.

ولكن، مع اقتراب المحطة الفضائية الدولية من نهاية عمرها التشغيلي، وبدء عصر جديد من استكشاف القمر، أصبح نموذج التعاون هذا قيد الاختبار.

ومن المرجح، بشكل متزايد، أن تعكس الشراكات المستقبلية التنافسات الجيوسياسية، بدلاً من تجاوزها، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الفضاء سيظل مكاناً يمكن للدبلوماسية أن تنجح فيه عندما تفشل السياسة.

ويقول الخبير الفضائي الروسي، أندريه إيونين، إنه «إذا أُريد للتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا أن يستمر، فسيتطلب ذلك نماذج جديدة من الاتفاقات على الأرض، بشأن كيفية مواصلة العمل معاً في الفضاء، حيث ارتفعت مستويات انعدام الثقة إلى درجة كبيرة جداً».

ويضيف: «علينا أن ندرك أنه لا يمكن لأي دولة، من الناحية التكنولوجية أو المالية، أن تستكشف الفضاء السحيق بمفردها».

وتابع: «لا توجد دولة واحدة لديها مهام وطنية على القمر أو المريخ يمكن أن تبرر التكاليف المترتبة عليها. والطريقة الوحيدة هي توحيد جهود الدول الرائدة لتحقيق الأهداف المشتركة. ومن المفترض أن يكون التوصل إلى اتفاق في الفضاء أسهل منه على الأرض».

وحتى قبل اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، كانت الآمال في مواصلة تطوير الفضاء سلمياً، تحت رعاية الأمم المتحدة، «لمصلحة البشرية جمعاء»، كما نصت عليه معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، تتلاشى.

ويهدف برنامج دولي تقوده وكالة «ناسا»، يُدعى «أرتميس»، إلى إنشاء قاعدة على القمر، والتحضير لبعثات مأهولة مستقبلية إلى المريخ، لكن روسيا رفضت التوقيع على اتفاقيات «أرتميس»، التي تحدد مجموعة من المبادئ لاستكشاف القمر، بحجة أنها «تركز بشكل مفرط على الولايات المتحدة»، وتفتح الباب أمام تسويق الفضاء «بأسلوب استعماري».

ومنذ عام 2020، وقّعت نحو 60 دولة، معظمها غربية، على هذه الاتفاقيات، في حين رفضت دول عديدة أخرى، لاسيما الصين، التوقيع عليها.

وتتمثل استجابة روسيا لبرنامج «أرتميس» في تطوير محطتها المدارية الخاصة، باستخدام وحدات من المحطة الفضائية الدولية بعد إخراجها من الخدمة، لتكون بوابة لاستكشاف القمر.

كما تخطط روسيا والصين، بشكل مشترك، لبناء قاعدة قمرية خلال العقد المقبل، وفقاً لتقارير محلية، لمنافسة المشروع الذي تقوده الولايات المتحدة.

ويقول الخبراء إنه من غير الواضح ما الذي يمكن أن تقدمه روسيا في هذه الشراكة، إذ إن الصين أتقنت بالفعل معظم التقنيات ذات الصلة، لكن ريادة روسيا في بناء المفاعلات النووية المصغرة، مثل محطة الطاقة الخاصة بصاروخ «بوريفيستنيك» ذي المدى غير المحدود، قد تتيح لها فرصة للدخول في هذا المجال.

وفي أبريل الماضي، وافقت الأكاديمية الروسية للعلوم على خطط لدور روسيا في «المحطة القمرية العلمية الدولية»، وهو مشروع مشترك مع الصين و13 دولة أخرى، وفقاً لما ذكره دينيس كرافتشينكو، نائب رئيس لجنة السياسة الاقتصادية في مجلس الدوما، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني إلى صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور».

وكتب كرافتشينكو: «لقد التقيت مراراً بقادة صناعة الفضاء الصينية، وأود أن أقول إن تعاوننا له مستقبل بالتأكيد».

وأضاف: «هنا تكتسب التقنيات النووية في الفضاء أهمية حاسمة، إذ ستصبح الأساس للبعثات بعيدة المدى والطاقة الفضائية في المستقبل».

كما اتفقت موسكو وبكين على دمج أنظمة الملاحة الخاصة بهما، بما يخلق منافساً لنظام «جي بي إس» الأميركي.

ولا يرغب الخبراء الروس في مناقشة التفاصيل، لكنهم يلمحون إلى أن التعاون العسكري الصيني الروسي في الفضاء بلغ مرحلة متقدمة جداً.

وكشفت الحرب في أوكرانيا عن مدى تأخر روسيا في توفير خدمات الإنترنت عالية السرعة عبر الفضاء، مثل نظام «ستارلينك» الذي تديره الولايات المتحدة.

وقد أُتيح هذا النظام لأوكرانيا، وأثبت فعاليته في ساحة المعركة، بما في ذلك في مجال الاتصالات وتوجيه الطائرات من دون طيار، ما وفر مزايا عسكرية حاسمة.

وكُلِّفت شركة روسية للفضاء الجوي بمهمة عاجلة، وحصلت على تمويل حكومي، لإنشاء بديل لنظام «ستارلينك»، الذي تديره شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك. وبدأت الشركة الروسية إطلاق مجموعة مكونة من 16 قمراً اصطناعياً إلى المدار الأرضي المنخفض في وقت سابق من هذا العام، ومن المقرر أن يرتفع العدد إلى نحو 900 قمر اصطناعي خلال 10 سنوات. في المقابل، تشغّل «ستارلينك» حالياً نحو 10 آلاف قمر اصطناعي.

عن «كريستيان ساينس مونيتور»

. روسيا والصين تخططان بشكل مشترك لبناء قاعدة قمرية خلال العقد المقبل، وفقاً لتقارير محلية، لمنافسة المشروع الذي تقوده الولايات المتحدة.

. «أرتميس» برنامج دولي تقوده «ناسا»، ويهدف إلى إنشاء قاعدة على القمر، والتحضير لبعثات مأهولة مستقبلية إلى المريخ، لكن روسيا رفضت التوقيع عليه.

الأكثر مشاركة