إدارة ترامب تُقر ضمنياً بضعف جدوى الرسوم الجمركية
في أبريل 2025، فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية بثقة مفرطة، وكأنها اكتشفت سراً غير معروف. وأكدت آنذاك أنه لن تكون هناك استثناءات أو إعفاءات أو تبريرات، حتى بالنسبة إلى المزارعين. ولم تُقدَّم الرسوم الجمركية على أنها ورقة تفاوض، بل باعتبارها مسألة تتعلق بالأمن القومي.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، للصحافيين آنذاك، إن الرسوم الجمركية «ليست محل تفاوض»، وإن الرئيس «ثابت على موقفه»، وإنه «يدافع عن المزارعين الأميركيين». وأوضحت أن الولايات المتحدة تعرّضت لمعاملة غير عادلة، وأن الحل يتمثل في فرض رسوم جمركية تُطبق على نطاق واسع وبحزم ومن دون تردد.
لكن التراجع بدأ سريعاً، فبعد أسبوع واحد فقط من الإعلان عنها، جرى تعليق ما سُمي برسوم «يوم التحرير» حتى التاسع من يوليو، قبل أن يُمدد هذا التعليق حتى الأول من أغسطس.
وخلال العام التالي، تكرر هذا النمط مراراً حتى لم يعد يلفت الانتباه، إذ كانت الإدارة تتخذ موقفاً حازماً في البداية، ثم يليه صمت، قبل الإعلان عن استثناءات محددة، ثم تتكرر الدورة من جديد، وهكذا اتضح أن سياسة «عدم وجود استثناءات» تضمنت، في الواقع، استثناءات كثيرة.
غير أن أكثر اللحظات دلالة لم تكن عندما أقرت الإدارة استثناءً، بل عندما بررت هذا الاستثناء.
ففي الأول من يونيو، وقّع الرئيس ترامب إعلاناً يقضي بتعديل الرسوم الجمركية المفروضة بموجب المادة 232 على الصلب والألمنيوم والنحاس.
ونص الإعلان على خفض الرسوم الجمركية على المعدات الزراعية، مثل الحصادات، إضافة إلى بعض المعدات الأخرى، من 25 إلى 15%.
وبرر البيت الأبيض هذه الخطوة بأنها وسيلة «للتصدي بصورة أكثر فاعلية لتهديدات الأمن القومي، وتحفيز الاستثمار في الزراعة والإسكان والصناعة الأميركية، وتسهيل إنتاج الولايات المتحدة للمنتجات ذات الصلة».
وكانت الرسوم الجمركية الأصلية قد بُررت، أساساً، باعتبارات الأمن القومي، وهو الأساس القانوني الذي استندت إليه. فالمادة 232 من قانون توسيع التجارة تتيح للرئيس فرض رسوم جمركية إذا ثبت أن الواردات تشكل تهديداً للأمن القومي.
واستندت الإدارة إلى هذا المبرر عند فرض الرسوم على الصلب والألمنيوم، معتبرة أن المعادن المستوردة تمثل خطراً على الأمن القومي، وأن فرض الرسوم عليها يمثل وسيلة للحماية. ولتعزيز هذا التبرير، شددت الإدارة على ضرورة أن تكون الرسوم شاملة، مع سد جميع الثغرات القانونية.
لكن الإدارة نفسها تقول الآن إن خفض هذه الرسوم سيحفز الاستثمار والإنتاج داخل الولايات المتحدة. وبذلك، أصبحت السياسة ونقيضها تُبرران بالمنطق نفسه، فرفع الرسوم يقوي الصناعة الأميركية، وخفضها يقويها أيضاً. كما أن المعدن يُعد تهديداً للأمن القومي، إلا عندما يستخدمه المزارعون.
واللافت أن مسؤولين بارزين واصلوا الدفاع بقوة عن الرسوم الجمركية قبل أيام قليلة فقط من التراجع عنها. ففي 29 مايو، قال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، خلال المنتدى الاقتصادي الوطني في مكتبة ريغان، إن «الأمن الاقتصادي هو الأمن القومي»، مقدماً الرسوم الجمركية على أنها تصحيح طال انتظاره لعقود من التبعية الاستراتيجية.
وخلال الأسبوع نفسه، نشر الممثل التجاري الأميركي، جيمسون جرير، مقالاً في مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، انتقد فيه ما وصفه بـ«الإجماع النخبوي» في مهنة الاقتصاد، معتبراً أنه يتمسك بافتراضات قديمة، ولا يدرك ما يمكن أن تحققه الرسوم الجمركية.
لكن لم تمض أيام على ذلك، حتى أقرت الإدارة، في وثيقة رسمية، بأن الرسوم الجمركية المفروضة على المعدات التي يشتريها المزارعون تلحق ضرراً يفوق الفوائد المرجوة منها.
وهذا لا يعكس سلوك إدارة تُعدل سياساتها استناداً إلى الأدلة، بل سلوك إدارة لا تستطيع الاعتراف بالخطأ، فالتراجع عن القرار يعني، ضمناً، الإقرار بأن الرسوم كانت مرتفعة أكثر من اللازم، وبدلاً من الاعتراف بذلك، استخدمت الإدارة لغة الانتصار نفسها لتبرير قرار معاكس.
ومن الطبيعي أن يكون تغيير الموقف في ضوء الأدلة أمراً محموداً، فقد قيل سابقاً إن الرسوم الجمركية تشكل جداراً يجب أن يكون منيعاً، أما الآن فيُقال إن وجود فتحات في هذا الجدار هو ما يمنحه القوة، ولا يمكن أن يكون التفسيران صحيحين في الوقت نفسه، فالحجة التي تتغير لتثبت ما يراد إثباته في كل مرة ليست حجة حقيقية.
وكان الأجدر بالإدارة أن تعترف صراحة بأن الرسوم الجمركية رفعت تكاليف الإنتاج على المزارعين والبنائين الأميركيين، ولذلك قررت خفضها.
لكن، للأسف، تبدو هذه الجملة هي الوحيدة التي لا يستطيع البيت الأبيض قولها، لأن الاعتراف بها يعني الإقرار بصحة انتقادات معارضيه، فالتنازلات هي السلعة الوحيدة التي يرفض البيت الأبيض السماح بدخولها.
*ديفيد هربرت
*كبير الباحثين في المعهد الأميركي للأبحاث السياسية
عن «ذا هيل»
. إدارة ترامب لم تُقدِّم الرسوم الجمركية على أنها ورقة تفاوض، بل باعتبارها مسألة تتعلق بالأمن القومي.