5 محاور تدعم استعادة واشنطن مكانتها وترسيخ وجودها في نصف الكرة الغربي

الولايات المتحدة لا تستطيع استبعاد الصين من أميركا اللاتينية

ميناء «شانكاي » في بيرو تم افتتاحه عام 2024 بمساهمة صينية. رويترز

بعد نحو قرنين تقريباً من تحذير الرئيس الأميركي الأسبق، جيمس مونرو، القوى الأوروبية من التدخل في نصف الكرة الغربي، تجد الولايات المتحدة مرة ثانية نفسها تواجه تحدياً جيوسياسياً في المنطقة.

وخلال العقدين الماضيين، قامت الصين بتوسيع علاقاتها الاقتصادية، والتكنولوجية، ووجودها الاستراتيجي بصورة دراماتيكية في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

لكن المناخ السياسي هذه الأيام يختلف بصورة أساسية عما كانت عليه الحال في فترة «عقيدة مونرو».

وكانت «عقيدة مونرو» استراتيجية إقصائية، إذ سعت إلى منع القوى الخارجية من بسط سيطرتها الإقليمية والسياسية على نصف الكرة الغربي، لكن هذا الإطار لا يعكس واقع المنافسة في القرن الـ21.

فالصين لا توسع نفوذها في أميركا اللاتينية عبر الغزو أو الاحتلال، بل رسخت وجودها في البنية التحتية للمنطقة، وشبكاتها التجارية، وأنظمة الطاقة، وبيئاتها الرقمية، وصناعاتها الاستراتيجية. وتمارس الصين نفوذها بشكل أقل اعتماداً على القوة، وأكثر اعتماداً على التكامل الاقتصادي، والاعتماد التكنولوجي. وبالنسبة للعديد من حكومات أميركا اللاتينية التي تواجه عجزاً مستمراً في البنية التحتية، ونمواً بطيئاً، ونقصاً مزمناً في الاستثمار، فإن التعامل مع الصين ليس مسألة أيديولوجية، بل ضرورة اقتصادية. ولا تستطيع الولايات المتحدة في الواقع إقصاء الصين من أميركا اللاتينية، ولا إجبار حكومات أميركا اللاتينية على الخيار بين بكين وواشنطن.فبدلاً من معارضة جميع الأنشطة التجارية الصينية في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بشكل تلقائي، ينبغي للولايات المتحدة أن تتنافس بشكل انتقائي لإزاحة النفوذ الصيني في القطاعات التي تحمل أكبر التداعيات الجيوسياسية والأمنية الوطنية.

ويعني هذا بالنسبة لواشنطن الانتقال من الإنكار الاستراتيجي إلى ما يسمى «الإزاحة الاستراتيجية».

أولاً، يجب على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية للبنية التحتية الاستراتيجية. وقد وسّعت الشركات الصينية وجودها في الموانئ وممرات الخدمات اللوجستية ومراكز النقل وأنظمة الطاقة في جميع أنحاء نصف الكرة الأرضية.

ولا تعد هذه الأصول مجرد مشاريع تجارية، بل إنها تشكل تدفقات التجارة، والوصول إلى سلاسل التوريد، والترابط البحري، والتنقل الاستراتيجي. وتتيح السيطرة على البنية التحتية والتجارة الحيوية أشكالاً دائمة من النفوذ السياسي والاقتصادي. ويجسد ميناء «شانكاي» في بيرو، الذي تم افتتاحه عام 2024، هذه الديناميكية.

وتم تصميم هذا الميناء، الذي طوّرته شركة الشحن الصينية العملاقة «كوسكو» بشكل كبير، لربط أميركا الجنوبية بشكل مباشر بالأسواق الآسيوية، مع تعزيز دور الصين في ممرات التجارة في المحيط الهادئ وسلاسل التوريد الإقليمية.

ثانياً، يجب على الولايات المتحدة أن تعزز قدرتها التنافسية في مجالات البنية التحتية الرقمية والاتصالات وإدارة البيانات في جميع أنحاء أميركا اللاتينية. وقد تغلغلت شركات التكنولوجيا الصينية، مثل «هواوي»، و«زد تي إي»، بشكل كبير في البنية التحتية للاتصالات، وأنظمة الحوسبة السحابية، وتقنيات المراقبة، ومبادرات المدن الذكية، ومنصات الدفع الرقمي في جميع أنحاء المنطقة.

ثالثاً، يجب على واشنطن تحويل اهتمامها المتزايد بالمعادن الحيوية إلى استراتيجية مستدامة على مستوى نصف الكرة الأرضية. وتمتلك أميركا اللاتينية احتياطيات هائلة من الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، وغيرها من المعادن الأساسية للصناعات التحويلية المتقدمة، وأشباه الموصلات، وتقنيات الطاقة، وأنظمة الدفاع.

ورسّخت الصين بالفعل وجودها في شبكات الاستخراج والمعالجة والنقل المرتبطة بهذه الموارد، لاسيما في ما يُعرف بـ«مثلث الليثيوم» الذي يضم الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي.

وينبغي على الولايات المتحدة التركيز على تمويل المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية في الدول التي تسمح ظروف السوق فيها بإقامة شراكات، مثل الأرجنتين وتشيلي، مع دعم اتفاقيات المعالجة والتكرير والتصدير التي تحفظ جزءاً أكبر من سلسلة القيمة ضمن نصف الكرة الأرضية.

رابعاً، ينبغي للولايات المتحدة أن تولي مرونة الطاقة في نصف الكرة الغربي أولوية استراتيجية. فقد وسّعت الشركات الصينية المرتبطة بالدولة استثماراتها في نقل الكهرباء، والطاقة المتجددة، وإنتاج النفط، والبنية التحتية للطاقة بشكل عام، في مختلف أنحاء المنطقة. ففي ليما، عاصمة بيرو، على سبيل المثال، تهيمن الشركات الصينية على أنظمة توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها. وعلى الرغم من أن العديد من هذه المشاريع قد يبدو مجدياً تجارياً في حد ذاته، فإنها، مجتمعة، تعزز دور بكين في قطاعات حيوية للمرونة الوطنية والتنمية الاقتصادية طويلة الأجل.

خامساً، يجب على الولايات المتحدة إيلاء اهتمام أكبر للفضاء والبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج في مختلف أنحاء نصف الكرة الغربي، فالاستثمارات الصينية المرتبطة بأنظمة الأقمار الاصطناعية، والتعاون في مجال الطيران والفضاء، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات المتقدمة، قد تدعم أهدافاً تجارية مشروعة، وفي الوقت نفسه توسّع نطاق النفوذ الاستراتيجي لبكين وقدراتها الاستخباراتية.

وفي الواقع، فإن التنافس بين الصين والولايات المتحدة ليس تنافساً أيديولوجياً في المقام الأول، بل هو تنافس بنيوي. فقد تذبذبت السياسة الأميركية طويلاً بين الإهمال والتهويل في المنطقة. وكان نهجها متناقضاً، إذ صوّرت معظم الأنشطة الصينية تقريباً على أنها تهديد، في حين عجزت عن تطوير بدائل اقتصادية أميركية موثوقة.

وغالباً ما تتعامل واشنطن مع هذا النوع من النزاعات التجارية كما لو كان نصراً استراتيجياً، متجاهلة قطاعات ذات تداعيات طويلة الأجل أكبر.

ولا تنبع ميزة الصين في النصف الغربي للكرة الأرضية من انخفاض التكاليف أو سرعة إنجاز مشاريع البنية التحتية فحسب، بل أيضاً من قدرة بكين على توجيه التمويل والدبلوماسية والسياسة الصناعية ونشاط الشركات نحو تحقيق أهداف جيوسياسية طويلة الأمد.

ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى محاكاة النموذج الرأسمالي الصيني القائم على الدولة، بل تحتاج إلى إطار عمل منسق لتشجيع الشركات الأميركية على المنافسة في قطاعات ذات أهمية استراتيجية للأمن القومي.

وسيواجه هذا التوجه الاستراتيجي، حتماً، قيوداً، إذ إن دولاً مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا وتشيلي ليست ساحات سلبية للتنافس بين القوى العظمى، بل تمتلك مصالحها الوطنية، وأولوياتها التنموية، ومفاهيمها الخاصة للاستقلال الاستراتيجي. كما تقاوم العديد من حكومات أميركا اللاتينية الأطر التي تبدو وكأنها تفرض تحالفات جيوسياسية ثنائية أو تعيد إحياء تصورات الوصاية الأميركية.

وتنظر البرازيل، على سبيل المثال، إلى نفسها بصورة متزايدة باعتبارها فاعلاً عالمياً مستقلاً يسعى إلى إقامة شراكات متنوعة مع كل من بكين وواشنطن. وتُعد الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل، ومستثمراً رئيساً في قطاعات الزراعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

وإذا أرادت واشنطن تعزيز قدرة الشركات الأميركية على المنافسة بفاعلية أكبر في القطاعات الحيوية بأميركا اللاتينية، فعليها الحد من المخاطر المالية والسياسية المرتبطة بالاستثمار طويل الأجل في المنطقة. وهذا يعني الاستفادة بصورة أكبر من مؤسسات مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، وبنك التصدير والاستيراد، وغيرها من آليات التمويل العامة، لتحفيز مشاركة القطاع الخاص.

عن «فورين بوليسي»


النفوذ الصيني

يعود توسع النفوذ الصيني إلى غياب الولايات المتحدة، أو عدم اتساق سياساتها، أو الإفراط في التركيز على المقاربة الأمنية في تعاملها مع المنطقة. ولا تسعى دول المنطقة إلى أن تصبح ساحات لصراع جيوسياسي، بل تسعى إلى جذب الاستثمارات، وتحقيق التحديث، وإقامة شراكات موثوقة وطويلة الأمد.

. خلال العقدين الماضيين، قامت الصين بتوسيع علاقاتها الاقتصادية، والتكنولوجية، ووجودها الاستراتيجي بصورة دراماتيكية في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

. الصين لا توسع نفوذها في أميركا اللاتينية عبر الغزو أو الاحتلال، بل رسّخت وجودها في البنية التحتية للمنطقة، وشبكاتها التجارية، وأنظمة الطاقة، وبيئاتها الرقمية، وصناعاتها الاستراتيجية.

. بدلاً من معارضة جميع الأنشطة التجارية الصينية في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بشكل تلقائي، ينبغي للولايات المتحدة أن تتنافس بشكل انتقائي لإزاحة النفوذ الصيني في القطاعات التي تحمل أكبر التداعيات الجيوسياسية والأمنية الوطنية.

تويتر