الغرب يدخل مرحلة إعادة تسليح محفوفة بالمخاطر الاقتصادية
يريد قادة الحكومات الغربية اليوم «الأسلحة والرفاهية»، لكن الأسواق المالية بدأت تشير إلى أنها لا تستطيع تحمل تكاليف كليهما معاً.
وعلى مدى السنوات الـ11 الماضية، تزايد الإنفاق العسكري العالمي، وفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، حيث تجاوز في عام 2025، أكثر من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2009.
وفي الوقت نفسه، لم يُبدِ العديد من القادة أي اهتمام بخفض الإنفاق بشكل ملموس على البرامج المحلية التي تحظى بشعبية لدى الناخبين، من أجل توفير مساحة مالية لشراء المزيد من الأسلحة.
وفي وقت تقترب فيه الديون الحكومية العالمية من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لصندوق النقد الدولي، يريد السياسيون الغربيون «السلاح والرفاهية» معاً.
وقد كان التركيز المتجدد على الدفاع، خصوصاً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بمخاوف من اندلاع حروب ساخنة في أوروبا، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في جميع أنحاء العالم، والتساؤلات حول مرونة التحالفات التاريخية.
تكاليف الاقتراض
وبالفعل، دفعت هذه الخلفية قادة أوروبا إلى زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 14%، العام الماضي، مقارنة بعام 2024، بينما ارتفع الإنفاق في آسيا بنسبة 8.1% خلال الفترة نفسها.
ويكمن خطر هذا الإنفاق في أن استمرار عملية إعادة التسلح، دون زيادة ملموسة في وتيرة النمو الاقتصادي الأساسي أو إجراء تعديلات على الميزانية لزيادة الإيرادات للإنفاق على الدفاع، لكن ليس مقابل خفض الإنفاق في مجالات أخرى أساسية للنمو، قد يؤدي بشكل هيكلي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض أو حتى أزمة.
ويتعين على السياسيين المسؤولين عن الميزانيات أن يدركوا المخاطر التي يلاحظها مستثمرو السندات العالمية بالفعل.
زيادة مستمرة
من غير المرجح أن تتباطأ إعادة التسلح في أي وقت قريب. ومع وصول عدد النزاعات العالمية إلى أعلى مستوى له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفقاً لتقرير «النزاعات التي يجب مراقبتها في عام 2026»، الصادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، يبدو أن الإنفاق العسكري العالمي سيستمر في الزيادة. ففي قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لعام 2025، وافقت الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة (باستثناء إسبانيا، التي حصلت على إعفاء) على رفع الإنفاق السنوي المتعلق بالدفاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، ويرجع ذلك جزئياً إلى الضغط من الحكومة الأميركية.
من جهتها، تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية، تاكايتشي ساناي، بمواصلة التحول التاريخي المهم لليابان نحو زيادة الإنفاق الدفاعي.
وقد حققت اليابان هدفها الدفاعي المتمثل في تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، قبل الموعد المحدد بعامين.
ومن المقرر أن تصدر تعديلات وثائق استراتيجية الأمن القومي الثلاث الأساسية للحكومة بحلول نهاية هذا العام، وستحدد تلك الوثائق خطط الإنفاق الدفاعي المستقبلية.
ويبدو أن المسار نحو إنفاق أكبر وأكثر تماهياً مع إنفاق حلف الأطلسي، أمر محتمل.
نهج أميركا
ولعل الأكثر لفتاً للنظر، هو أن البيت الأبيض قد اقترح ميزانية دفاعية بقيمة 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 40% على الميزانيات السابقة، وأكبر ميزانية لوزارة الحرب «البنتاغون» في تاريخ الولايات المتحدة، حتى بعد تعديلها لمراعاة التضخم.
وحتى لو تم تقليص الميزانية في نهاية المطاف، فإن الاتجاه السائد هو زيادة الإنفاق الدفاعي.
وفي الوقت نفسه، تواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الضغط على حلفاء الولايات المتحدة لزيادة الإنفاق على دفاعاتهم، بهدف تقليل الاعتماد على واشنطن.
وفي كلمة ألقاها في «حوار شانغريلا» بسنغافورة في 30 مايو الماضي، قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، إن «نهج الولايات المتحدة يطلب من دول المحيط الهادئ الاستثمار بجدية في دفاعاتها، والمساهمة بشكل أكبر في الأمن الجماعي».
مواقف الناخبين
إلى ذلك، أبدى الناخبون تأييداً واسعاً لزيادة الإنفاق الدفاعي، لاسيما في الأماكن التي كانت النزاعات العسكرية الأخيرة قريبة منهم جغرافياً. لكن هذا التأييد غالباً ما يتلاشى عندما يُسأل الناخبون نفسهم عما سيتنازلون عنه من أجل تمويل المزيد من الأسلحة.
على سبيل المثال، أشار استطلاع أجرته «يوغوف»، في يونيو 2025، إلى أن 49% من المشاركين في الاستطلاع بالمملكة المتحدة يؤيدون زيادة الإنفاق الدفاعي، لكن 57% عارضوا رفع الضرائب لتمويله، كما أن 53% عارضوا خفض الإنفاق الحكومي الآخر لتمويله.
وعلى المنوال نفسه، أشار استطلاع أجرته «إبسوس» في مارس 2025 إلى أن ثلثي الأُسر الفرنسية تؤيد ميزانية دفاع أكبر، لكن نصف المشاركين عارضوا خفض أي خدمات عامة لتمويلها. وبدلاً من ذلك، أيد 66% تمويل ميزانية الدفاع من خلال عجز أكبر.
تكاليف المعيشة
وينبع جزء من هذا التحيز لدى الأسر من الارتفاعات الحادة في الأسعار التي أعقبت جائحة «كورونا»، والتي زادت من القلق بشأن تكاليف المعيشة.
ويبدو أن العديد من الناخبين يتوقعون من الحكومات المساعدة في سد فجوة القدرة على تحمل التكاليف هذه، بل إن الانتخابات الأخيرة، لاسيما في فرنسا، عاقبت السياسيين الذين أشاروا إلى أي درجة من التقشف المالي.
ولعله ليس من المستغرب، وفقاً لدراسة أجراها صندوق النقد الدولي في أبريل 2026، أن ما يقرب من ثلثي الزيادات الوطنية الأخيرة في الإنفاق الدفاعي تم تمويلها من العجز، وأن «الطفرة» الأخيرة في متوسط الإنفاق الدفاعي تبعها ارتفاع في العجز المالي للبلد بنحو 2.6%، بعد ثلاث سنوات من بدء الطفرة. وارتفعت نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو سبع نقاط مئوية خلال الفترة نفسها.
الصحة المالية
وبالطبع، لا تعتمد الصحة المالية لأي دولة على العجز الحكومي وحده. فوتيرة النمو الاقتصادي وكلفة الاقتراض تؤثران أيضاً على حسابات الاستدامة المالية. وفي ضوء ذلك، يشير صقور الدفاع إلى الدفعة المحتملة للنمو الاقتصادي من زيادة الإنفاق الحكومي. وتبدو هذا الحجة معقولة للوهلة الأولى.
لنأخذ الولايات المتحدة على سبيل المثال: إن ميزانية الدفاع التي اقترحها البيت الأبيض والبالغة 1.5 تريليون دولار تزيد بنسبة 50% عما يُتوقع إنفاقه هذا العام على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتي غالباً ما يُشار إليها على أنها داعم رئيس للاقتصاد الأوسع. عن «مجلس العلاقات الدولية»
تحذير بشأن توقعات النمو المرتبطة بالدفاع
سلطت دراسة لصندوق النقد الدولي أجراها في أبريل الماضي، الضوء على أن أي نمو ينجم عن الإنفاق الدفاعي يعتمد على عدد من المتغيرات، بما في ذلك حجم الإنفاق المخصص للسلع المحلية مقابل المستوردة، وحجم الإنفاق المخصص للموظفين والبحث والتطوير، فضلاً عن مدى ضيق سوق العمل وقت الإنفاق.
وبشكل عام، حذّر صندوق النقد بشأن توقعات النمو المرتبطة بالدفاع. فليس من الواضح على الإطلاق أن إعادة التسلح يمكن أن تكون قوة مهمة تساعد البلد على النمو والوصول إلى مسار مالي مستدام، تماماً. كما أنه من غير المؤكد إلى أي مدى ومتى سيعزز الذكاء الاصطناعي اقتصادات البلدان المختلفة من خلال زيادة الإنتاجية.
. البيت الأبيض اقترح ميزانية دفاعية تبلغ 1.5 تريليون دولار، بزيادة 50% عما يُتوقع إنفاقه على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
. السياسيون الغربيون يريدون «السلاح والرفاهية» معاً، في وقت تقترب فيه الديون الحكومية العالمية من 100% من الناتج المحلي الإجمالي.