كوريا الجنوبية منافس جديد بين القوى العظمى لتأمين طرق الإمدادات البحرية

القطب الشمالي يعيد صياغة الجغرافيا السياسية للطاقة العالمية

صورة

لم تؤدِّ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض إلى زيادة التقلبات الجيوسياسية فحسب، بل غيّرت بشكل جذري التوقعات بشأن المدى الذي قد تذهب إليه القوى الكبرى لتأمين مصالحها الاستراتيجية، فما كان يبدو في السابق مجرد مبالغة خطابية، مثل تصريحاته المتكررة حول الاستحواذ على جزيرة «غرينلاند» الدنماركية، يبدو الآن أمراً ممكناً في ضوء الأحداث الأخيرة.

ومن الأزمة المتصاعدة في فنزويلا في أوائل عام 2026 إلى حرب إيران، أبدت الولايات المتحدة استعدادها للسعي وراء الميزات الجيوسياسية بقيود أقل من ذي قبل، ففي ظل هذه الخلفية لم يعد القطب الشمالي مسرحاً هامشياً، وإنما بدأ يبرز بسرعة كساحة مركزية تتقاطع فيها قضايا تغيّر المناخ وأمن الطاقة، والتنافس بين القوى العظمى.

حسابات استراتيجية

والسؤال ليس ما إذا كان القطب الشمالي مهماً، بل كيف ستحدد الدول مواقفها في منطقة لاتزال قواعدها قيد الصياغة؟ وهنا لا ينبغي فهم الاهتمام الأميركي المتجدد بجزيرة «غرينلاند» بشكل ضيق على أنه طموح إقليمي، وإنما يعكس حسابات استراتيجية أوسع نطاقاً بشأن القطب الشمالي، فذوبان الجليد في القطب الشمالي، مقترناً بالتقدم التكنولوجي، يجعل الموارد وطرق الملاحة التي كانت غير قابلة للوصول في السابق قابلة للاستغلال بشكل متزايد. وبهذا المعنى فإن «غرينلاند» ليست هي الموضوع الرئيس بل القطب الشمالي.

جبهة جديدة للتنافس

تشير التقديرات إلى أن القطب الشمالي يحتوي على ما يقرب من 13% من النفط غير المكتشف في العالم، فضلاً عن 30% من الغاز الطبيعي، ما يجعله أحد آخر الحدود الرئيسة لتطوير الطاقة العالمية، وفي الوقت نفسه تَعِد الطرق البحرية الجديدة، مثل الطريق البحري الشمالي، والطريق البحري عبر القطب الناشئ، بتقصير مسافات الشحن بين آسيا وأوروبا بشكل كبير.

بالنسبة للقوى الكبرى فإن الآثار المترتبة على ذلك عميقة، فقد وضعت روسيا نفسها بالفعل في موقع الفاعل المهيمن في القطب الشمالي، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب وقاعدة مواردها.

من جهتها، تسعى الصين من خلال مبادرتها «طريق الحرير القطبي» إلى دمج القطب الشمالي في استراتيجيتها الأوسع، في وقت تحاول الولايات المتحدة، التي تنظر إلى المنطقة بشكل متزايد من منظور استراتيجي، حشد تحالفاتها لموازنة هذه التحركات. وكما تشير دراسات حديثة، أصبح القطب الشمالي جبهة جديدة للتنافس بين القوى العظمى، حيث تتشابك الأبعاد الاقتصادية والعسكرية والقانونية بشكل وثيق.

اهتمام كوريا الجنوبية

بالنسبة لكوريا الجنوبية، قد يبدو الاهتمام بالمنطقة القطبية الشمالية مفاجئاً للوهلة الأولى، لاسيما بالنظر إلى التوجه الأيديولوجي لحكومتها التقدمية الحالية. وتقليدياً ركزت الإدارات التقدمية في سيؤول على التعامل مع القوى الكبرى، مثل الصين وروسيا، مع السعي إلى التقارب مع كوريا الشمالية، كما أبدت اهتماماً بربط البنية التحتية عبر قارة آسيا.

ومع ذلك يقدم القطب الشمالي نوعاً مختلفاً من الفرص التي تتماشى مع كل من الضرورة الجيوسياسية والطموح الاقتصادي. وتعتمد كوريا الجنوبية هيكلياً على واردات الطاقة، حيث يتم نقل جميع وارداتها من الطاقة تقريباً، بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي المسال والفحم، عبر الطرق البحرية، مع تركيز كبير على ممري مضيقي هرمز وملقا، فضلاً عن بحر الصين الجنوبي. ويخلق هذا التركيز ضعفاً هيكلياً، وكما أظهرت الاضطرابات والتوترات الأخيرة في هذه الممرات الضيقة، فإن أي عدم استقرار على طول هذا الطريق يمكن أن يكون له عواقب فورية وخطيرة على الاقتصاد الكوري الجنوبي.

مسارات بديلة

وبناء على ذلك، لطالما شكل تنويع طرق الإمداد البحرية أولوية استراتيجية، ويُعد القطب الشمالي أحد هذه البدائل، فالمسارات التي تربط روتردام في هولندا وبوسان الكورية الجنوبية عبر القطب الشمالي، يمكن أن تقلل مسافات الشحن بنسبة تصل إلى 30% أو 40%، مع ما يترتب على ذلك من آثار كبيرة على كل من نقل الطاقة والتجارة العامة.

وبالنسبة لكوريا الجنوبية، لا يقتصر الأمر على الكفاءة فحسب، بل يتعلق بالتعايش مع نظام يمكن أن تؤدي فيه أي اضطرابات بحرية إلى أزمة اقتصادية مباشرة.

علاوة على ذلك، من منظور الطاقة، فإن القطب الشمالي يفتح الباب أمام مصادر جديدة للنفط والغاز والمعادن الحيوية، ما يسهم في تنويع الإمدادات، وهذا أمر مهم بشكل خاص في وقت تتأثر فيه أسواق الطاقة العالمية بشكل متزايد بالمخاطر الجيوسياسية.

فرص صناعية

لا يقتصر اهتمام كوريا الجنوبية بالقطب الشمالي على الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة، وإنما يعكس في الوقت نفسه أيضاً فرصاً صناعية.

وباعتبارها إحدى الدول الرائدة عالمياً في مجال بناء السفن، فإن من المتوقع أن تستفيد كوريا الجنوبية من تزايد الطلب على السفن المخصصة للمناطق الجليدية وناقلات الغاز الطبيعي المسال، وغيرها من السفن المتخصصة اللازمة للعمليات في القطب الشمالي.

وبالتالي فإن توسيع مسارات الشحن في القطب الشمالي قد يدر عائدات اقتصادية كبيرة للصناعات الكورية. وبالفعل تشير التوقعات إلى أن الشحن في القطب الشمالي واستغلال موارده سيتطلبان استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا البحرية المتخصصة، وهي مجالات تتمتع فيها كوريا الجنوبية بالفعل بميزة نسبية كبيرة.

السياسة الداخلية

وفي الوقت ذاته تلعب الاعتبارات السياسية الداخلية دوراً مهماً أيضاً، فربط الطريق القطبي الشمالي بمدينة بوسان الساحلية الرئيسة في كوريا الجنوبية له تداعيات سياسية واضحة.

وقد أظهرت المنطقة، التي كانت تاريخياً معقلاً للدعم المحافظ، علامات على إعادة التوازن السياسي في السنوات الأخيرة، ولذلك يتيح الترويج لبوسان كمركز لوجستي مستقبلي في القطب الشمالي للحكومة الحالية مواءمة الاستراتيجية الاقتصادية مع الحوافز الانتخابية.

وأصبح هذا الزخم السياسي أكثر وضوحاً في السابع من مايو، عندما أقرت الجمعية الوطنية الكورية قانوناً خاصاً لتعزيز طرق الشحن في القطب الشمالي والصناعات ذات الصلة، بقيادة النائب عن الحزب الديمقراطي إيو كيكو.

مخاطر

ومع ذلك فإن هذه الفرص تنطوي على مخاطر، فالمنطقة القطبية الشمالية ليست مجرد طريق تجاري جديد، بل مساحة جيوسياسية متنازع عليها. وكما قال أحد المحللين الكوريين، فإن الطريق القطبي الشمالي يتداخل بشكل متزايد مع ما تم وصفه بـ«سلسلة الجزر الخامسة»، وهذا يعني أن المشاركة الاقتصادية في القطب الشمالي لا يمكن فصلها عن الاعتبارات الأمنية، فسيطرة روسيا على أجزاء رئيسة من «طريق البحر الشمالي»، مقترنة بالعقوبات الغربية والتوترات الجيوسياسية المستمرة، تعقد أي مشاركة مباشرة. وبالمثل فإن الوجود الصيني المتنامي يضيف أبعاداً إضافية من المنافسة الاستراتيجية.

عن «ناشيونال إنترست»


تحدٍّ كبير

هناك تحدٍ كبير يواجه طموح كوريا الجنوبية في القطب الشمالي، فمن ناحية تعد سيؤول حليفاً للولايات المتحدة ومشاركاً نشطاً في شبكة أوسع من الشراكات الاقتصادية والأمنية، ومن ناحية أخرى غالباً ما يتطلب الانخراط الفعلي في القطب الشمالي، لاسيما في مجالي تطوير الطاقة والنقل البحري، قدراً معيناً من التعاون مع روسيا، وأحياناً مع الصين، وهذا ليس تحدياً افتراضياً بل حقيقياً.

كما تظهر المشروعات الحالية مثل «يامال» للغاز الطبيعي المسال أن تطوير الطاقة في القطب الشمالي تاريخياً يعتمد على التعاون الدولي، بما في ذلك مشاركة الشركاء الآسيويين. وحتى اليوم لاتزال المناقشات حول المشاركة في مشروعات القطب الشمالي الروسية بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا تظهر في الأوساط السياسية.

. القطب الشمالي يحتوي على نحو 13% من النفط غير المكتشف في العالم.. و30% من الغاز الطبيعي.

تويتر