أزمة الصناعة الألمانية تدفع أوروبا لتشديد سياساتها التجارية مع بكين
وضعت المفوضية الأوروبية، خططاً جديدة تهدف إلى تبني سياسة دفاع تجاري أكثر صرامة وفعالية في مواجهة الصين، في ظل تزايد القلق الأوروبي من تداعيات الإغراق التجاري الصيني على اقتصادات دول الاتحاد، لاسيما الاقتصاد الألماني الذي يمر بأزمة صناعية متفاقمة.
وتراهن المفوضية الأوروبية على أن هذه الأزمة ستدفع المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى التخلي عن سياسة الحذر التقليدية تجاه بكين، واعتماد موقف أكثر تشدداً ما يتعلق بالعلاقات التجارية مع الصين.
وكثفت المفوضية الأوروبية جهودها لتسريع العمل بما أطلقت عليه اسم «آلية الطاقة الإنتاجية الفائضة»، وهي آلية تهدف إلى الحد من تدفق السلع الصينية المدعومة حكومياً إلى الأسواق الأوروبية، بعد أن شهدت الأسواق الأوروبية زيادة غير مسبوقة في حجم هذه الواردات خلال السنوات الأخيرة.
وأكدت المتحدثة الرئيسة باسم المفوضية الأوروبية، باولا بينهو، في تصريحات لموقع «بوليتيكو»، أن النقاش حول هذا المقترح لا يستهدف دولة عضواً بعينها، وإنما يعكس الحاجة الملحّة إلى مواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة التي تواجه القارة الأوروبية، لاسيما في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها دول أوروبية عدة.
تراجع تدريجي
ويأتي هذا التوجه الأوروبي في وقت بدأت فيه برلين تُظهر تراجعاً تدريجياً عن موقفها التقليدي المتردد تجاه الصين. فعلى مدى سنوات، كان ميرتس، شأنه شأن المستشارين الألمان السابقين، يتجنب اتخاذ مواقف قد تفسر على أنها استفزاز مباشر لبكين، خوفاً من انعكاس ذلك سلباً على قطاعات حيوية في الاقتصاد الألماني، مثل صناعة السيارات، والتكنولوجيا النظيفة، والصناعات الكيماوية، وهي قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل التوريد الصينية للمواد الخام الأساسية.
غير أن الضغوط داخل ألمانيا، أخذت تتصاعد بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة. فقد أظهر تحليل أجرته شركة «إي.واي» الاستشارية، أن ألمانيا خسرت نحو 124 ألفاً و100 وظيفة صناعية، خلال عام 2025 وحده، فيما اختفت وظيفة صناعية واحدة من بين كل 20 وظيفة منذ عام 2019، الأمر الذي يعكس حجم التراجع الذي يشهده القطاع الصناعي الألماني.
كما كشفت نتائج استطلاع للرأي أُجري مطلع مايو الجاري، أن نسبة الرضا عن أداء الائتلاف الوسطي الذي يقوده المستشار ميرتس لم تتجاوز 15% فقط، في مؤشر واضح على تزايد حالة الاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية.
وفي الأسبوع الماضي، تعرض ميرتس لصيحات استهجان خلال مشاركته في مؤتمر نقابي، أثناء استعراضه خططه للإصلاح الاقتصادي الرامية إلى تحسين أوضاع الأسواق الألمانية.
دور بارز
وتساءل دبلوماسي أوروبي، من إحدى الدول المؤيدة لتوجه المفوضية الأوروبية، عن الكيفية التي يمكن لبرلين من خلالها الاستمرار في «الدفاع عن الوضع الراهن»، في ظل تصاعد معدلات إغلاق المصانع وفقدان الوظائف داخل ألمانيا.
ولم يكشف موقع «بوليتيكو» عن هوية الدبلوماسي بسبب سرية المناقشات الجارية بين العواصم الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.
من جهتها، تواصل فرنسا لعب دور بارز في الدفع نحو تشديد السياسة الأوروبية تجاه الصين. ففي فبراير الماضي، نشرت الحكومة الفرنسية تقييماً اقتصادياً حمل نبرة متشائمة، حذرت فيه من أن «القوة الصينية الجبارة» قد تؤدي إلى إضعاف قطاعات رئيسة من الاقتصاد الأوروبي، ما لم تتخذ إجراءات فعالة لحماية الصناعات المحلية وتعزيز قدرتها التنافسية في مواجهة التدفق المتزايد للمنتجات الصينية.
كما تعرضت قطاعات الصناعة والكيماويات في ألمانيا لضغوط إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بحرب إيران، فضلاً عن اشتداد المنافسة الاقتصادية القادمة من الولايات المتحدة والصين. وفي ظل هذه التحديات، دعا ميرتس، الاتحاد الأوروبي إلى التدخل والمساعدة في إنقاذ الصناعات الأوروبية من التراجع المتواصل.
خطأ استراتيجي
وأبرزت زيارة ميرتس الأخيرة إلى بكين حجم المأزق الذي تواجهه ألمانيا في علاقتها مع الصين. فبعد سنوات طويلة كانت خلالها برلين القوة الرئيسة الدافعة نحو توثيق العلاقات الأوروبية الصينية، بدأت تتصاعد الانتقادات لهذه الاستراتيجية، حيث وصفها موقع «بوليتيكو» بأنها خطأ استراتيجي كبير يشبه، من حيث الأثر السياسي والاقتصادي، اعتماد ألمانيا السابق على واردات الطاقة الروسية.
وفي عام 2025، تمكنت الصين من تجاوز الولايات المتحدة لتصبح الشريك التجاري الأول لألمانيا، رغم استمرار تدفق المنتجات الصناعية الصينية إلى الأسواق الأوروبية، إضافة إلى سيطرة بكين على سلاسل توريد المواد الخام الأساسية، وهو ما منحها نفوذاً واسعاً على العديد من المصانع والصناعات الألمانية.
عن «الإيكونوميست»
تقليل المخاطر
دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على الصين، وهو توجه بات ينسجم بصورة متزايدة مع التحول الجاري داخل برلين.
ومع ذلك، لايزال من غير الواضح ما إذا كانت ألمانيا ستدعم بشكل رسمي فرض إجراءات أوروبية أكثر صرامة لمكافحة الإغراق التجاري، وتفعيل آلية فعالة للتصدي لفائض الإنتاج الصيني، عندما يجتمع كبار المسؤولين الأوروبيين لمناقشة الخطوات المقبلة.
. التوجه الأوروبي الجديد يأتي في وقت بدأت فيه برلين تُظهر تراجعاً تدريجياً عن موقفها التقليدي المتردد تجاه الصين.
. قطاعات الصناعة والكيماويات في ألمانيا تعرضت لضغوط إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بحرب إيران.