رغم تأكيد محللين أنه أدى إلى عدم استقرار سياسي وركود اقتصادي

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس سبب مشكلاتها المزمنة

صورة

أدى الانهيار الانتخابي الأخير لحزبي العمال والمحافظين في المملكة المتحدة إلى إلقاء الصحافيين وكتّاب أعمدة الرأي اللوم في جميع مشكلات البلاد على قرار الناخبين البريطانيين عام 2016 بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

وهذا ليس بالأمر الجديد، فطوال سنوات، توقع كتّاب في مطبوعات رائدة، مثل «وول ستريت جورنال» و«الإيكونوميست» أن تصويت «بريكست»، الذي قاده رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، وتعهد بـ«إنجاز الخروج» بعد سنوات من الجمود السياسي، سيؤدي إلى تراجع بريطانيا عن ألمانيا وفرنسا ودول أخرى في مجالي النمو الاقتصادي والابتكار.

ومن المعتقدات الراسخة في تلك الأوساط، أن «بريكست» كان خطأ، وأن الناخبين الذين أيدوه في السابق نادمون عليه اليوم بشدة.

وأثارت الخسائر الكارثية التي مُني بها حزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة مزيداً من التأملات في هذا الاتجاه، حيث اعتبر كثير من المحللين أن بريطانيا تتفكك الآن سياسياً كنتيجة متأخرة لتصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

بريطانيا الحديثة

فقد نشر الكاتبان البارزان في صحيفة «وول ستريت جورنال»، جيرارد بيكر ووالتر راسل ميد، اللذان يشتهران بدقة تحليلاتهما، مقالات ألقيا فيها باللوم على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في قلة الحماس التي أبداها الناخبون تجاه الحزبين الرئيسين في البلاد.

وكتب بيكر مقالاً بعنوان «بعد عقد من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، السياسة البريطانية تتداعى»، جادل فيه بأنه من الواضح الآن، بعد مرور 10 سنوات على الاستفتاء، فإن الناخبين أضروا بأنفسهم بقرارهم الخروج من الاتحاد، ما تسبب في أن يصبح «عدم الاستقرار السياسي، والركود الاقتصادي، والاضطراب الاجتماعي سمات لبريطانيا الحديثة».

 

زعزعة الأحزاب الكبرى

في الوقت نفسه جادل ميد بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أطلق العنان لموجة من الشعبوية في بريطانيا العظمى، أدت إلى زعزعة الأحزاب الكبرى دون تقديم بدائل بنّاءة.

وأشار إلى أن موجة الشعبوية اجتاحت دولاً أخرى أيضاً، بما في ذلك ألمانيا والولايات المتحدة، وإن لم يكن ذلك بشكل دراماتيكي كما حدث في المملكة المتحدة.

لكن هل صحيح أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو سبب المشكلات السياسية والاقتصادية المزمنة في بريطانيا؟

سيكون من الأصح القول إن خروج بريطانيا من الاتحاد كان علامة أو أعراضاً لمشكلات أعمق في بريطانيا وأوروبا لاتزال قائمة، بعد مرور عقد من ذلك التصويت.

لقد كان أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في تصويت «بريكست» هو قرار ألمانيا باستقبال ما بين خمسة إلى ستة ملايين مهاجر إلى أراضيها بين عامي 2014 و2016، بمن في ذلك أكثر من مليون لاجئ هارب من الحرب في سورية.

ولم يكن لدى قادة ألمانيا أي خطة لدمج هؤلاء المهاجرين في المجتمع الألماني أو الأوروبي ككل.

وبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، يمكن لهؤلاء المهاجرين، بمجرد قبولهم في إحدى الدول الأعضاء، التنقل بحرية عبر الحدود إلى دول أخرى، بما في ذلك بريطانيا العظمى.

وكما كان متوقعاً، أدى قرار ألمانيا إلى ارتفاع معدلات الجريمة والفوضى والإرهاب في جميع أنحاء القارة العجوز، إلى جانب رد فعل انتخابي قوي ضد الحزب الحاكم.

 

تزايد أعداد المهاجرين

استجاب الشعب البريطاني للتطورات التي شهدتها القارة الأوروبية في عام 2016 بالتصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وكما قال زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة»، نايجل فاراج، في ذلك الوقت: «علينا، في هذه الحملة، أن نجعل الناس يدركون أن العضوية في الاتحاد الأوروبي والهجرة غير المنضبطة، هما أمران مترادفان».

ربما كان ذلك مبالغة، لكن من الواضح أن تزايد أعداد المهاجرين الأجانب كان قضية رئيسة بالنسبة للناخبين البريطانيين.

لكن ما الذي كان ينبغي، في رأي منتقديهم، أن يفعله الناخبون البريطانيون رداً على القرارات غير المسؤولة التي اتخذها قادة أجانب، والتي كانت لها عواقب أثرت على المملكة المتحدة؟

لو لم تتصرف المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل كما فعلت، لكان تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد أسفر عن نتيجة مختلفة بشكل شبه مؤكد.

القادة السياسيون في جميع أنحاء أوروبا، إلى جانب الصحافيين الذين دعموهم، هم أنفسهم المسؤولون عن تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد.

ومع ذلك، لم يكن قرار ميركل عملاً فردياً أو منعزلاً، فقد مضى الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في فعل الشيء نفسه تقريباً خلال فترة ولايته بفتح الحدود الجنوبية لأميركا أمام 10 إلى 15 مليون مهاجر غير شرعي، مع عواقب كارثية مماثلة على البلاد وحزبه.

 

ركود اقتصادي عميق

كان الركود الاقتصادي عاملاً مهماً آخر وراء التصويت لمصلحة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولايزال المصدر الرئيس للسخط في المملكة المتحدة وأوروبا.

وتفاقمت المشكلات الناجمة عن الهجرة بسبب بطء النمو، ما دفع الناخبين إلى إلقاء اللوم على المهاجرين في الصعوبات الاقتصادية.

على مدى الـ15عاماً الماضية، وبعد أن تعافى الاقتصاد العالمي من الركود العميق الذي شهدته الفترة بين عامي 2008 و2009، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في بريطانيا العظمى 1.7% سنوياً، أي ما يعادل نصف معدل النمو الذي تحقق على مدى عقود عدة من عام 1960 إلى عام 2007.

ألمانيا وفرنسا

كما أن الوضع في ألمانيا كان أسوأ من ذلك، فمن عام 2010 حتى عام 2025، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي 1.3% فقط سنوياً.

والأرقام متطابقة بالنسبة لفرنسا، فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في البلاد بمعدل 1.3% سنوياً في المتوسط من عام 2010 إلى عام 2025.

كما أنه ليس صحيحاً أن القوى الأوروبية قد تجاوزت بريطانيا العظمى في النمو الاقتصادي عقب استفتاء عام 2016.

فمن عام 2017 إلى عام 2025، نما الاقتصاد البريطاني بمعدل 1.5% سنوياً، فيما نما اقتصاد ألمانيا بنسبة 0.7%، واقتصاد فرنسا بنسبة 1.5%.

ومن ثم، فمن الخطأ القول إن الاقتصادين الألماني والفرنسي حققا أداءً أعلى من الاقتصاد البريطاني بعد تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي الواقع، تعاني الاقتصادات الثلاثة الركود، لأسباب لا علاقة لها أو ربما لها علاقة ضعيفة جداً بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

عن «ذا نيو كرايتريون»


استياء

يشعر الناخبون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالاستياء من ركود اقتصادات بلادهم، الذي يحد من الفرص، ويعوق نمو الأجور، ويؤدي إلى تدهور مستويات المعيشة.

وقد اتبع القادة السياسيون في البلدان الأوروبية الثلاثة سياسات اقتصادية مدمرة، مثل التنظيم المفرط، وبرامج الرعاية الاجتماعية السخية للغاية، وبشكل خاص السياسات المناخية الخاطئة التي تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة دون أن تسهم بشكل يذكر في تحسين البيئة.

. الخروج من الاتحاد الأوروبي أطلق موجة من الشعبوية في بريطانيا، أدت إلى زعزعة الأحزاب الكبرى دون تقديم بدائل.

تويتر