القرارات الأميركية المتناقضة بشأن القوات في أوروبا تثير تساؤلات حول مستقبل «الناتو»
تقلبات ترامب والحرب الأوكرانية تعيدان تشكيل أولويات الدفاع الأوروبي
إذا كان هناك من لايزال يحتاج إلى دليل يؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً عسكرياً يمكن الاعتماد عليه بصورة كاملة، فإن المواقف المتقلبة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، قدمت هذا الدليل بوضوح لا يقبل الجدل.
فخلال أسبوع واحد فقط، أعلنت الولايات المتحدة إلغاء نشر «فريق قتالي» يضم نحو 4700 جندي في بولندا، ثم تحدثت عن سحب 5000 جندي من ألمانيا، قبل أن يفاجئ ترامب الجميع، بمن فيهم مسؤولون في وزارة الحرب الأميركية، بإعلان إرسال 5000 جندي إلى بولندا، مبرراً ذلك بإعجابه بالرئيس البولندي.
وقد بدا اجتماع حلف شمال الأطلسي «الناتو» الأخير، في مدينة هلسنغبورغ السويدية، أشبه بمشهد سياسي مرتبك، خصوصاً مع محاولة وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، تفسير ما يحدث داخل الإدارة الأميركية.
لكن الحقيقة أن روبيو نفسه لم يكن قادراً على فهم توجهات ترامب أو التنبؤ بقراراته، لأن سياسة الأمن الأميركية في عهد ترامب أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بمزاج الرئيس الشخصي وتقلباته المستمرة.
عنصر مساعد
هذا الواقع يفرض على الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو»، مع اقتراب قمة الحلف المقبلة في تركيا يومي السابع والثامن من يوليو المقبل، إعادة النظر في موقع الحلف ضمن استراتيجيتها الدفاعية. فبعد أن كان «الناتو» لعقود الركيزة الأساسية لأمن أوروبا، بات ينظر إليه اليوم كعنصر مساعد وليس الضامن الأول للأمن الأوروبي.
ورغم حرص الدول الأوروبية على الحفاظ على تماسك الحلف ومنع انهياره، فإنها تدرك في الوقت نفسه أن استمرار ترامب في البيت الأبيض يعني استمرار حالة عدم اليقين في السياسات الدفاعية الأميركية.
ولذلك ستسعى هذه الدول إلى احتواء اندفاعات ترامب السياسية، وتجنب أي صدام مباشر معه، على أمل أن تأتي إدارة أميركية أكثر استقراراً ووفاء للتحالفات التقليدية بعد انتخابات عام 2028. غير أن المهمة الحقيقية لحماية أمن أوروبا بدأت بالفعل خارج إطار «الناتو» التقليدي.
العمل الدفاعي المشترك
وفي الحقيقة، فإن هذا التحول ينسجم مع ما دعا إليه ترامب ونائبه، جيه دي فانس، والتيار المؤيد لشعار «أميركا أولاً»، حيث أكدوا مراراً أن على أوروبا أن تتحمل مسؤولية أكبر تجاه أمنها ودفاعها، إلا أن الدافع الحقيقي وراء هذا التغير لم يكن الضغوط الأميركية بقدر ما كانت الحرب الروسية على أوكرانيا، التي دفعت أوروبا إلى إدراك حجم التهديدات التي تواجهها.
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في مطالبة واشنطن لأوروبا بتحمل مسؤولياتها، بل في أن السياسات الأميركية المتقلبة أصبحت تعطل أسس العمل الدفاعي المشترك داخل «الناتو».
فعلى مدى أكثر من سبعة عقود، اعتمد الحلف على ثلاثة عناصر رئيسة هي: التخطيط طويل الأمد، والتوافق العملياتي بين الجيوش، ونظام موحد للقيادة والسيطرة.
وسعت الولايات المتحدة إلى توجيه هذه العناصر الثلاثة، جزئياً لأنها تمتلك أكبر القوات المسلحة وأكثرها تقدماً من الناحية التكنولوجية، ولكن أساساً لأنها أقوى دولة في العالم ولا ترى ضرورة لاتباع أي جهة أخرى.
وفي المقابل، ظلت الدول الأوروبية تعتمد على القدرات الأميركية في مجالات حيوية مثل الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، والدفاع الصاروخي، ووسائل النقل العسكري الثقيل، ليس لأنها عاجزة عن تطويرها، بل لأن واشنطن فضلت الاحتفاظ بهذه القدرات تحت سيطرتها المباشرة.
تغييرات مفاجئة
غير أن التغييرات المفاجئة في السياسات الأميركية، مثل التراجع عن نشر صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى في ألمانيا، جعلت مفهوم التخطيط الدفاعي المشترك يفقد معناه الحقيقي، كما أثارت شكوكاً واسعة حول مدى موثوقية الالتزامات العسكرية الأميركية مستقبلاً.
ويحاول الأمين العام لـ«الناتو»، رئيس الوزراء الهولندي السابق مارك روته، دفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، محذراً من أن الاستغناء عن الولايات المتحدة يتطلب رفع الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة قد تصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وليس فقط 5% كما يجري النقاش حالياً.
إلا أن هذا الطرح يبدو غير واقعي بالنسبة لمعظم الدول الأوروبية، باستثناء ربما دول البلطيق مثل لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، حيث إن تخصيص 10% من الناتج المحلي للتسليح يعني تقليصاً ضخماً للإنفاق على قطاعات أساسية أخرى، وهو أمر يصعب سياسياً واقتصادياً.
وفي الواقع، لا تحتاج أوروبا إلى هذا الحجم الهائل من الإنفاق حتى تصبح قادرة على الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، خصوصاً على المدى القريب. فالقارة الأوروبية تواجه تهديداً عسكرياً رئيساً واحداً يتمثل في روسيا، التي استنزفتها الحرب الطويلة في أوكرانيا.
ومع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس واقترابها من تجاوز مدة الحرب العالمية الأولى التي امتدت بين عامي 1914الى 1918، تبدو القدرات العسكرية الأوروبية اليوم أفضل بكثير من قدرات الجيش الأوكراني عند بداية الحرب الروسية عام 2022.
غير أن أوروبا لاتزال تفتقر إلى العناصر الثلاثة الحاسمة: التخطيط المشترك، والتكامل العملياتي الكامل، والقيادة الموحدة.
قوة مشتركة
ومن هنا تبرز أهمية «قوة الاستكشاف السريع المشتركة»، التي تأسست عام 2014 بقيادة المملكة المتحدة وبعيداً عن إطار «الناتو»، وشاركت فيها دول البلطيق وهولندا والدول الاسكندنافية، تحسباً لتصاعد التهديد الروسي في شمال أوروبا.
ورغم أن هذه القوة تبدو حالياً إطاراً تنظيمياً محدود الفاعلية، فإنها تمتلك مقومات التحول إلى قوة حقيقية إذا جرى تطويرها عبر تدريبات عسكرية منتظمة، وربطها بآليات التمويل الدفاعي الأوروبي الجديدة، لاسيما صندوق «العمل الأمني من أجل أوروبا»، الذي تم إنشاؤه من قبل المفوضية الأوروبية.
كما أن توسيع هذه القوة لتشمل دولاً تمتلك جيوشاً قوية وفعالة، مثل أوكرانيا وبولندا وألمانيا، سيمنحها ثقلاً عسكرياً وسياسياً أكبر، ويحولها إلى بديل أوروبي عملي وأكثر مرونة من «الناتو» أو الاتحاد الأوروبي في التعامل مع التهديدات السريعة.
ويكمن أحد مخاطر التخطيط الدفاعي، في إمكانية انفصال برنامج طويل الأمد وفعّال لتوريد المعدات الدفاعية وإعادة تنظيمها عن التهديدات المباشرة والحقيقية.
ورغم أن روسيا لا تبدو قادرة حالياً على شن حرب واسعة ضد دولة أوروبية جديدة بسبب استنزافها العسكري والاقتصادي، فإن احتمال تنفيذ هجمات محدودة أو تحركات عسكرية مفاجئة يظل قائماً، وهو ما يتطلب جاهزية أوروبية حقيقية وليست مجرد خطط مكتوبة على الورق.
وفي ظل بطء آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي، وتعقيدات «الناتو» المرتبطة بعدم استقرار الموقف الأميركي، قد تصبح «قوة الاستكشاف السريع المشتركة» الخيار الأكثر فاعلية لبناء نظام أمني أوروبي مستقل وأكثر قدرة على التحرك السريع.
عن «أيجا تايمز»
مسألة تكتيكية
أصبح التعامل مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالنسبة للأوروبيين، مسألة تكتيكية وليست استراتيجية، فمحاولة استرضائه أو مجاملته قد تكون ضرورية في المرحلة الحالية، لكنها لم تعد القضية المركزية بالنسبة لأوروبا.
وربما تكون الرسالة الأوضح التي يمكن توجيهها إلى واشنطن قبل قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» المقبلة، أن أوروبا بدأت بالفعل البحث عن أولويات أمنية جديدة، وأن الولايات المتحدة، في ظل سياسات ترامب المتقلبة، لم تعد المحور الوحيد في حسابات الأمن الأوروبي.
. في ظل بطء اتخاذ القرار وتعقيدات «الناتو»، قد تصبح «قوة الاستكشاف السريع المشتركة» الخيار الأكثر فاعلية لبناء نظام أمني أوروبي مستقل.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news