لوَّح باستخدامها أداة ضغط على حلفاء روسيا وإيران

الاتحاد الأوروبي يربط المساعدات الخارجية بالمواقف السياسية للدول

كالاس أكدت أن بروكسل ستصبح أكثر حذراً في توجيه أموالها. إي.بي.إيه

يدرس الاتحاد الأوروبي إمكانية تقليص أو وقف المساعدات الخارجية المقدمة للدول التي تربطها علاقات وثيقة مع روسيا أو إيران، في خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً في طبيعة السياسة الأوروبية تجاه برامج الدعم والتنمية الدولية. فبعد أن كانت هذه المساعدات تقدّم بوصفها أدوات لدعم التنمية الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية في الدول الفقيرة والنامية، باتت بروكسل تنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي ومكافأة الحلفاء والضغط على الحكومات التي لا تتماشى مع التوجهات الغربية.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إن الدول التي تصنف على أنها قريبة بصورة كبيرة من موسكو أو طهران قد تواجه خطر فقدان التمويل الأوروبي، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يعد مستعداً للاستمرار في تمويل دول تسهم سياساتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تقوية خصوم أوروبا.

«البوابة العالمية»

وتأتي تصريحات كالاس، بالتزامن مع استعداد الاتحاد الأوروبي لإطلاق المرحلة المقبلة من برنامج «البوابة العالمية»، وهو المشروع الاستثماري الدولي الذي أطلقته بروكسل عام 2021 بهدف دعم مشروعات البنية التحتية والتنمية في مختلف أنحاء العالم. وقد تجاوزت قيمة المشروعات التي مولها البرنامج حتى الآن 306 مليارات يورو، شملت استثمارات عامة وخاصة في العديد من الدول.

وأكدت كالاس أن بروكسل ستصبح أكثر حذراً في توجيه أموالها نحو الدول التي تتعاون بشكل وثيق مع القوى المنافسة للاتحاد الأوروبي، لافتة إلى أن أوروبا مطالبة بإعادة تقييم سياستها التمويلية إذا كانت أموالها تستخدم بطريقة قد تمنح دعماً غير مباشر لحكومات ترتبط بعلاقات استراتيجية مع روسيا أو إيران. وأضافت أن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يواصل تقديم الدعم لدول تصطف سياسياً إلى جانب خصومه.

أداة سياسية

ويعكس هذا التوجه تحولاً واضحاً في «فلسفة» المساعدات الخارجية الأوروبية، إذ لم تعد هذه المساعدات تُعامَل فقط باعتبارها برامج تنموية وإنسانية، بل باتت تُستخدم بصورة متزايدة كأداة سياسية ودبلوماسية تهدف إلى تعزيز النفوذ الأوروبي في الساحة الدولية.

من جانبه، عبّر المفوض الأوروبي لشؤون الشراكات الدولية، جوزيف سيكيلا، عن هذا التوجه بوضوح عندما قال: «السياسة الخارجية لا يمكن أن تكون عاطفية»، في إشارة إلى أن المصالح الاستراتيجية أصبحت المعيار الأساسي في تحديد كيفية توزيع المساعدات.

وتبلغ ميزانية المساعدات الخارجية للاتحاد الأوروبي للفترة الممتدة بين عامي 2021 و2027 نحو 79.5 مليار يورو، يتم تخصيص نحو 60 مليار يورو منها عبر برامج إقليمية مختلفة، بينما تخصص نحو 9.5 مليارات يورو لحالات الطوارئ وتغيير الأولويات السياسية والاستراتيجية.

وعملياً، تتحكم بروكسل سنوياً بما يقارب 11 مليار يورو من المساعدات المقدمة للدول النامية، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على إعادة توجيه هذه الأموال بما يتناسب مع أولوياتها السياسية.

وقف التمويل

ووفقاً لهذا المنطق، يمكن وقف التمويل عن دول ترى أوروبا أن سياساتها لا تخدم مصالح الاتحاد، مقابل تحويل هذه المساعدات إلى دول أخرى أكثر توافقاً مع التوجهات الأوروبية.

وتحصل منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على الحصة الأكبر من هذه المساعدات، حيث خصص لها نحو 29 مليار يورو، ضمن الإطار المالي الحالي، بينما تحصل الدول المجاورة للاتحاد الأوروبي على أكثر من 19 مليار يورو، كما تستخدم هذه الأموال في مناطق توسع فيها نفوذ روسيا والصين وتركيا، ما يمنح بروكسل أدوات تأثير سياسية واقتصادية مهمة في تلك المناطق.

ويعتبر هذا التوجه لافتاً لأنه يعكس تحولاً في أولويات الاتحاد الأوروبي، فلم تعد المسألة مرتبطة فقط بمواجهة روسيا، بل أصبحت تشمل مراقبة مواقف الدول الأخرى من الصراعات الدولية، وطبيعة علاقاتها الاقتصادية والسياسية، ومدى التزامها بالاصطفاف مع السياسات الغربية.

غياب الصين

وبعد سنوات من التركيز على عزل موسكو دبلوماسياً، يبدو أن الاتحاد الأوروبي بات يولي اهتماماً متزايداً لكيفية تصويت الدول داخل الأمم المتحدة، وتحالفاتها التجارية والسياسية، وما إذا كانت تلتزم الحياد بين القوى الكبرى أو تقترب من خصوم الغرب.

وبهذا النهج يبدأ الاتحاد الأوروبي استخدام المساعدات الخارجية بالطريقة التي دأب الغرب والقوى الكبرى على استخدامها منذ سنوات، أي باعتبارها أداة نفوذ جيوسياسي وليست مجرد وسيلة للدعم الإنساني أو التنموي.

ومن النقاط اللافتة أيضاً في هذا الطرح غياب الإشارة المباشرة إلى الصين، رغم أن الخطاب الغربي، لاسيما داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، يصف بكين بشكل متزايد بأنها التحدي الاستراتيجي الأكبر طويل الأمد للغرب.

ومع ذلك، يبدو أن أوروبا تتعامل بحذر مع الصين بسبب التشابك الاقتصادي الكبير بين الطرفين واعتماد العديد من الدول الأوروبية على السوق الصينية، الأمر الذي يجعل بروكسل أكثر تحفظاً في خطابها تجاه بكين، إدراكاً منها بأن التصعيد مع الصين قد يحمل تداعيات اقتصادية ثقيلة على الاتحاد الأوروبي.

دلالات مهمة

إن توقيت هذا التوجه يحمل دلالات مهمة، حيث يأتي في مرحلة تشهد تصاعداً في حدة المواجهة الأميركية مع روسيا وإيران، بالتوازي مع استمرار الحرب في أوكرانيا وما تفرضه من تحولات سياسية وأمنية على القارة الأوروبية.

وفي المقابل، بدأت بعض الأوساط السياسية الأوروبية تناقش مستقبل العلاقة مع موسكو بعد انتهاء الحرب الأوكرانية، خصوصاً أن روسيا ستبقى، مهما كانت نتائج الحرب، قوة كبرى مجاورة لأوروبا، تمتلك ترسانة نووية ضخمة، وحدوداً واسعة مع القارة، فضلاً عن دورها المحوري مصدراً رئيساً للطاقة.

ويبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه بصورة متزايدة إلى ربط المساعدات المالية بالولاء السياسي والمواقف الدبلوماسية للدول الأخرى، حتى في الوقت الذي لاتزال فيه أوروبا نفسها تعاني من انقسامات داخلية حول طبيعة العلاقة المستقبلية مع روسيا وكيفية إدارة الصراع الطويل معها.

عن «أوروبا كونزيرفتف»

. بروكسل أكدت أنها لم تعد مستعدة للاستمرار في تمويل دول تسهم سياساتها في تقوية خصوم أوروبا.

. المساعدات باتت تستخدم كأداة سياسية ودبلوماسية تهدف إلى تعزيز النفوذ الأوروبي في الساحة الدولية.

تويتر