تتعلق بالاستدامة.. وتفرض متطلبات لا يمتلك صغار المنتجين القدرة على تحمّل كلفتها

تشريعات أوروبية جديدة تُهدّد صادرات المَزَارع الأميركية

الاتحاد الأوروبي أكد أن الهدف من الإجراءات الجديدة حماية المنتجين الزراعيين. رويترز

كما الحال في كثير من المشروعات الصغيرة، تعتمد المزارع العائلية على هوامش ربح محدودة للغاية، مقابل ساعات عمل طويلة وشاقة، حيث يتحمل المُزارع مسؤولية إدارة مختلف جوانب العمل بنفسه، وأنا أعلم جيداً معنى أن يزرع الإنسان محصوله في الربيع، من دون أن يمتلك أي ضمان لما سيحمله له حصاد الخريف.

فحالة عدم اليقين هذه ليست استثناء، بل جزء أساسي من طبيعة العمل الزراعي، وخلال 18 عاماً قضيتها عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، كان من أكثر الأمور التي أثارت استيائي اتساع الفجوة بين صانعي السياسات والواقع الحقيقي الذي يعيشه المزارعون يومياً.

واليوم، يبدو أن المسؤولين الأوروبيين الذين يبدون أكثر بُعداً عن واقع المزارعين الأميركيين، يسعون إلى فرض مزيد من التعقيدات والغموض على هذا القطاع الحيوي.

فقد أصدر الاتحاد الأوروبي، أخيراً، توجيهاً يتعلق بما يُعرف بـ«العناية الواجبة بالاستدامة المؤسسية»، ويفرض على الشركات تحديد المخاطر البيئية والانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان في عملياتها، وسلاسل التوريد التابعة لها، والعمل على منع هذه المخاطر أو الحدّ من آثارها.

ورغم أن الأهداف المعلنة لهذا التوجيه تبدو نبيلة من حيث المبدأ، فإن تأثيره لا يقتصر في الشركات الأوروبية وحدها، بل يشمل الشركات الأميركية والمورّدين المرتبطين بها في مختلف أنحاء العالم.

ويُمثّل هذا التوجيه تهديداً مباشراً للمزارعين الأميركيين، خصوصاً أن القطاع الزراعي في الولايات المتحدة يخضع أساساً لمنظومة واسعة من القوانين واللوائح الفيدرالية المنظمة لعمله، وبالتالي فإن فرض متطلبات إضافية ومتكررة عليه من الخارج سيؤدي إلى زيادة الأعباء البيروقراطية والتكاليف التشغيلية بصورة كبيرة.

حواجز تجارية

ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن الهدف من تلك الإجراءات، هو «حماية المنتجين الزراعيين» مما يصفه بـ«الممارسات الضارة» التي قد تصدر عن جهات داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه، لكن الواقع يشير إلى أن هذه السياسات تتحول فعلياً إلى حواجز تجارية جديدة تُعيق التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.

وقدّرت دراسة نشرها معهد هدسون للأبحاث، العام الماضي، أن الشركات الأميركية قد تواجه تكاليف امتثال أولية تتجاوز تريليون دولار، وإلا فإنها ستخاطر بخسارة قدرتها على الوصول إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.

كما أن أكثر من 350 ألف جهة، تعمل في قطاعات الزراعة والغابات وصيد الأسماك والصيد البري (تُحقق مجتمعة إيرادات سنوية تصل إلى 622 مليار دولار)، ستكون عرضة لتحمّل أعباء مالية إضافية نتيجة هذا التوجيه.

وتأتي هذه التكاليف الجديدة جراء إلزام الشركات الكبرى، التي يتجاوز عدد موظفيها 5000 موظف وتُحقق إيرادات سنوية تفوق 1.5 مليار يورو، بتوثيق كل مرحلة من مراحل سلاسل التوريد الخاصة بها، وتقديم تقارير تفصيلية تُثبت التزامها بمعايير الاتحاد الأوروبي.

ضغط مباشر

غير أن تأثير هذه اللوائح لا يتوقف عند الشركات الكبرى، وإنما يمتد إلى المراحل المتقدمة من سلاسل التوريد، وهو ما يضع الشركات الصغيرة والمزارعين الأميركيين تحت ضغط مباشر، فالشركات الأوروبية الكبرى المشمولة بهذه القواعد، ستفرض على المورّدين الأميركيين عمليات تدقيق خارجية، ومتطلبات توثيق للعمل، وفحوصاً بيئية معقدة لضمان الامتثال، وهي التزامات لا يمتلك كثير من صغار المزارعين والمنتجين الزراعيين القدرة المالية أو الإدارية لتحمّلها.

ورغم أن هذه القوانين لا تمنع المزارعين الأميركيين بشكل مباشر من دخول الأسواق الأوروبية، فإنها تدفع العديد منهم إلى إعادة النظر في جدوى التصدير إلى الاتحاد الأوروبي من الأساس، وسيجد المزارعون، من مونتانا إلى جورجيا، أنفسهم أمام خيارين: إما الامتثال لهذه المتطلبات المكلفة، أو المخاطرة بخسارة أسواق تصديرية وعملاء رئيسين.

كما أن آثار هذه التكاليف لن تتوقف عند حدود المزارعين فقط، بل ستنعكس على سلسلة التوريد بأكملها، فمع تراجع أرباح المزارع وارتفاع تكاليف الإنتاج، سترتفع أسعار المواد الغذائية على المستهلكين، بينما ستكون المجتمعات الريفية الأكثر تضرراً من هذه التداعيات الاقتصادية.

وعندما تضطر مزرعة عائلية صغيرة إلى الإغلاق، فإن الخسارة لا تقتصر على العائلة المالكة للمزرعة فحسب، وإنما تمتد أيضاً إلى الشركات المحلية التي تعتمد عليها، وتجار المعدات الزراعية الذين يزوّدونها باحتياجاتها، وجميع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.

سياسات خاطئة

لم أتردّد يوماً في الاعتراض على السياسات الخاطئة عندما تصدر من واشنطن، وينطبق الأمر ذاته على هذه القرارات الصادرة عن بيروقراطيات خارجية، فعندما أقر الكونغرس قانون تحديث سلامة الأغذية عام 2010، سعيت إلى تقديم تعديل يضمن ألا تسحق المزارع الصغيرة تحت وطأة قوانين صممت أساساً للعمليات الصناعية الضخمة.

واليوم، يُعيد التوجيه الأوروبي إنتاج المعركة نفسها، لكن هذه المرة عبر قواعد تفرض من خارج الولايات المتحدة، فالقرارات التي تؤثر في المزارعين والعمال الأميركيين يجب أن تتخذ داخل الولايات المتحدة، ومن قبل مسؤولين منتخبين يخضعون للمساءلة أمام الناخب الأميركي، لا من قِبل مسؤولين أوروبيين لا يتحملون أي مسؤولية تجاهه.

وقد سبق للمشرعين الأميركيين من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي)، أن تصدّوا لمحاولات الاتحاد الأوروبي فرض تنظيمات على الشركات الأميركية، واليوم يتعين عليهم أن يتخذوا الموقف نفسه مرة أخرى.

وفي هذا الإطار، يأتي مشروع «قانون حماية الولايات المتحدة» المطروح حالياً أمام مجلسي الكونغرس، بهدف حماية المزارعين والشركات الأميركية من متطلبات الامتثال الأوروبية المكلفة وغير الضرورية.

فالمزارع العائلية والشركات الصغيرة تستحق قوانين عادلة، كما تستحق مسؤولين منتخبين ومستعدين للدفاع عنها، ووضع حد لمثل هذه المتطلبات المرهقة.

جون تيستر*

*عضو ديمقراطي سابق في الكونغرس الأميركي عن ولاية مونتانا.

عن «واشنطن بوست»


شراكة متوازنة

لاشك في أن أوروبا تُعدّ واحدة من أهم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، لهذا السبب يجب الحفاظ على قوة هذه العلاقة التجارية وحمايتها، وعمل المسؤولون الأميركيون لسنوات طويلة من أجل بناء شراكة اقتصادية قوية ومتوازنة، بين واشنطن والاتحاد الأوروبي.

إن العلاقة التجارية الصحية تصبّ في مصلحة مزارعي مونتانا، والمصدّرين الأميركيين، وكذلك الحلفاء على ضفتَي الأطلسي، غير أن الشراكة المتوازنة لا تعني أن يمتلك أحد الأطراف الحق في فرض قوانين وسياسات تضر بالمصالح الاقتصادية للطرف الآخر، لهذا يجب على الكونغرس الأميركي أن يبعث برسالة واضحة وحاسمة في هذا الشأن.

. القطاع الزراعي في أميركا يخضع أساساً لمنظومة واسعة من القوانين، وبالتالي فإن فرض متطلبات إضافية عليه من الخارج سيؤدي إلى زيادة الأعباء.

تويتر