وزيرة هادئة تؤمن بأن القوة الصناعية وأمن الطاقة والقوة الوطنية أمور لا تنفصل

كاترينا رايش.. «السيدة الحديدية» الصامتة تعيد تشكيل الصناعة الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان حكيماً في ترقية واختيار رايش. د.ب.أ

قد يتوقف مستقبل ألمانيا الصناعي على امرأة لم يسمع بها معظم الأميركيين من قبل.. إنها كاترينا رايش، التي تشغل حالياً منصب وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية. وقد أصبحت، بطريقتها المتواضعة، «السيدة الحديدية» الصامتة في برلين. فهي لا تتصدر عناوين الأخبار، ونادراً ما تتحدث باللغة الرنانة التي ميزت جزءاً كبيراً من السياسة الأوروبية الحديثة. وبدلاً من ذلك، تتحدث عن الطلب الصناعي والتصنيع وسلاسل التوريد، والإنتاج الدفاعي. وفي ألمانيا اليوم، يجعلها ذلك قريبة من كونها «ثورية».

لقد كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس حكيماً في ترقيتها، ففي وقت تكافح فيه البلاد مع الركود الاقتصادي، والضغوط الصناعية، وانعدام الأمن في مجال الطاقة، لم يختر ميرتس سياسياً آخر يجيد الرسائل والأداء على وسائل التواصل الاجتماعي، بل اختار شخصية واقعية في مجال الطاقة والصناعة تتمتع بخبرة تجارية حقيقية.

نشأت رايش في ألمانيا الشرقية السابقة، وهي تنتمي إلى جيل لم يتأثر بالأيديولوجية التي أعقبت الحرب الباردة بقدر ما تأثر بالواقع الاقتصادي والجيوسياسي. وقبل انضمامها إلى الحكومة، تولت رئاسة شركة «ويست إنيرجي»، إحدى أكبر شركات تشغيل المرافق العامة في ألمانيا، بعد أن شغلت منصب رئيسة رابطة المرافق المحلية.

وقد شكلت تلك التجربة السياسية إدراكاً متوازناً لمسألة الطاقة. ففي الاقتصاد الصناعي، تعد الطاقة أساس التصنيع والقدرة التنافسية والنمو والقوة الوطنية. وقد أمضت رايش سنوات في التعامل مع الشركات التي تحتاج إلى طاقة موثوقة، ليس من أجل تلبية شعار ما، بل للحفاظ على استمرار عمل المصانع.

وخلال ظهورها أخيراً في مؤتمر «سيرا ويك»، في هيوستن، تحدّت رايش علناً أجزاء من «العقيدة السائدة» في أوروبا بشأن المناخ، حيث انتقدت الأهداف «الصارمة» المتعلقة بالمناخ، وحذرت من أن الاعتماد حصراً على طاقة الرياح والطاقة الشمسية يعد «سذاجة». وقد جعلتها هذه التصريحات هدفاً لانتقادات اليسار الناشط في ألمانيا ودعاة «التطرف المناخي»، لكنها عكست أيضاً حقيقة أوسع نطاقاً، عجزت الطبقة السياسية الألمانية عن مواجهتها، فالاقتصادات الصناعية تتطلب طاقة موثوقة، وبنية تحتية صلبة، وسلاسل إمداد فعالة.

لكن ولسنوات، تعاملت برلين مع سياسة الطاقة باعتبارها «طموحاً أخلاقياً» أكثر منها «استراتيجية». وتخلت عن الطاقة النووية، وعملت على توسيع نطاق الطاقة المتجددة، والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، ونجحت هذه النظرية طالما كان الغاز الروسي الرخيص يتدفق عبر قاع بحر البلطيق.

ثم جاءت الحرب في أوكرانيا، وحطّم الهجوم الروسي الافتراض القائل بأن الجغرافيا السياسية يمكن أن تخضع بأمان للترابط الاقتصادي. فقد وجد المحرك الصناعي لأوروبا نفسه فجأة معتمداً بشكل خطر على «قوة معادية» للحصول على الطاقة التي تبقي مصانعه على قيد الحياة.

تحتل رايش الآن مركز الصدارة في إعادة التفكير في الصناعة والطاقة في ألمانيا. وتعمل برلين على بناء محطات للغاز الطبيعي المسال، والسعي وراء سلاسل إمداد جديدة للغاز والهيدروجين، وتسريع الاستثمار في شبكات الكهرباء، كل ذلك مع الاستمرار في توسيع إنتاج الطاقة المتجددة، لتتعلم ألمانيا، مجدداً، أن القوة الصناعية تتطلب طاقة موثوقة، وبنية تحتية متينة.

أما بالنسبة لوزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية، فإن المسألة تتجاوز مجرد الطاقة. فأمن الطاقة، والقدرة الصناعية، والإنتاج الدفاعي، والنمو الاقتصادي، ليست قضايا منفصلة، فالبلدان القوية تحتاج إلى هذه العناصر الأربعة جميعها، ورايش تدرك ذلك بشكل بديهي.

وقد خصصت ألمانيا الآن مئات المليارات للإنفاق الدفاعي بعد عقود من نقص الاستثمار، ما يضع البلاد على المسار الصحيح لتصبح واحدة من أكبر الدول إنفاقاً على المجال العسكري في العالم. وأدركت رايش قبل الكثيرين في برلين أن إعادة التسلح يمكن أن تصبح أيضاً جزءاً من انتعاش صناعي أوسع نطاقاً.

تحت قيادتها، دعمت الحكومة الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا الدفاع، مع تشجيع الشركات المصنعة وموردي السيارات الذين يعانون صعوبات في التحول نحو الإنتاج العسكري. حتى إن وزارتها أطلقت منصة تربط الشركات المصنعة الألمانية التقليدية بشركات الدفاع، ما ساعد على تحويل أجزاء من الاقتصاد الصناعي إلى سلاسل التوريد العسكرية.

وتعكس هذه الاستراتيجية اعتقاد رايش بأن على ألمانيا إعادة بناء إنتاجها المحلي، وترسيخ قطاع الصناعة التحويلية ضمن سلاسل التوريد الحليفة، ما يقلل من التعرض للمخاطر الجيوسياسية والمنافسة الآسيوية منخفضة الكلفة.

في عصر يهيمن عليه الأداء السياسي، برزت رايش كشخصية نادرة، سياسية تركز على النتائج أكثر من التركيز على الرمزية، فهي أقل اهتماماً بالصياغة الأيديولوجية من اهتمامها بما إذا كانت ألمانيا لاتزال تمتلك القوة الصناعية والبنية التحتية الإنتاجية والأسس الاقتصادية اللازمة لتظل قوة اقتصادية جادة.

تجبر «السيدة الحديدية» الألمانية الهادئة أكبر اقتصاد في أوروبا على مواجهة حقيقة قضى جزء كبير من الطبقة السياسية سنوات في محاولة تجنبها: القوة الصناعية، وأمن الطاقة، والقوة الوطنية، أمور لا تنفصل. ومن الصعب تخيل أن رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة، مارغريت تاتشر، لم تكن لتعجب بها. عن «ناشيونال إنترست»

تويتر