قادة القارة العجوز باتوا أكثر جرأة واستعداداً لمواجهة واشنطن علناً
توجه أوروبي للاستقلال السياسي والعسكري عن الولايات المتحدة
الإنفاق العسكري الأوروبي شهد ارتفاعاً ملحوظاً منذ عودة ترامب إلى السلطة. رويترز
لم تعد الانتقادات التي وجهها المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، للرئيس الأميركي دونالد ترامب، مجرد تعبير عن خلاف سياسي عابر بين برلين والبيت الأبيض، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على تحول أعمق في الموقف الأوروبي تجاه الإدارة الأميركية، فالقادة الأوروبيون باتوا أكثر جرأة واستعداداً لمواجهة واشنطن علناً في ملفات حساسة تشمل إيران، وأوكرانيا، ومستقبل السيادة الأوروبية.
ويعود هذا التحول إلى حالة القلق المتزايدة داخل العواصم الأوروبية من السياسات المتقلبة التي تتبعها إدارة ترامب، إلى جانب اقتناع متنام بأن التعامل مع هذه السياسات يتطلب موقفاً أوروبياً أكثر صلابة وحزماً.
وكان ميرتس، وجّه انتقادات مباشرة إلى سياسة ترامب تجاه حرب إيران، مؤكداً خلال خطاب ألقاه في إحدى مدارس دائرته الانتخابية، أنه لا يعتقد أن الرئيس الأميركي يمتلك استراتيجية خروج واضحة أو قابلة للتطبيق في هذه الحرب.
ولم تكن تصريحات ميرتس معزولة عن المشهد الأوروبي العام، بل جاءت ضمن سلسلة من المواقف الحادة التي أطلقها عدد من القادة الأوروبيين، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
كما أن محاولة ترامب السابقة لضم جزيرة غرينلاند تجاوزت، بالنسبة للأوروبيين، الخطوط الحمراء المتعلقة بسيادة الدول ووحدة أراضي حلفاء «الناتو»، فضلاً عن تجاهل حق شعب غرينلاند في تقرير مصيره. كذلك أثارت محاولات ترامب ونائبه جيه دي فانس، للتأثير في الانتخابات المجرية لمصلحة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان استياء واسعاً داخل أوروبا.
تراجع النفوذ الأميركي
ورغم أهمية هذه الملفات، فإنها لا تفسر وحدها تشدد الموقف الأوروبي الحالي، حيث يبدو أن العامل الأهم يتمثل في اقتناع متزايد داخل أوروبا بأن النفوذ الأميركي على القارة لم يعد بالقوة ذاتها التي كان عليها قبل سنوات.
وكشفت حرب إيران، بالنسبة للأوروبيين، أن الولايات المتحدة لاتزال بحاجة إلى البنية التحتية العسكرية الأوروبية للحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط، وهو ما أظهر حدود قدرة واشنطن على الاعتماد على قوتها العسكرية وحدها.
وفي المقابل، شهد الإنفاق العسكري الأوروبي ارتفاعاً ملحوظاً منذ عودة ترامب إلى السلطة، مع توجيه جزء متزايد من هذا الإنفاق نحو شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية.
ورغم أن الولايات المتحدة لاتزال المورد الأكبر للأسلحة إلى أوروبا، فإن التقديرات تشير إلى تراجع حصتها من صادرات السلاح إلى القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس توجهاً أوروبياً تدريجياً نحو تنويع مصادر التسليح وتعزيز الصناعات الدفاعية المحلية.
وينطبق هذا على الحرب في أوكرانيا، حيث أوقفت الولايات المتحدة تمويلها المباشر لكييف منذ مارس 2025، الأمر الذي جعل الاتحاد الأوروبي يتحمل الجزء الأكبر من الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا.
وتواصل كييف شراء الأسلحة وفق «قائمة الأولويات» التي وضعها «الناتو»، لكنها أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على الإنتاج المحلي الأوكراني والموردين الأوروبيين بدلاً من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 60% من المعدات العسكرية الأوكرانية يتم إنتاجها محلياً، بينما تأتي نحو 20% من مصادر أوروبية.
تحول أوروبي
ومع أن أميركا لاتزال توفر دعماً حيوياً في مجالات مثل الاستخبارات وأنظمة الدفاع الجوي، فإن المسؤولين الأوروبيين باتوا يعتقدون أن أي تقليص كبير للدعم الأميركي لن يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري لأوكرانيا، وهو ما يعزز شعور أوروبا بأنها أصبحت أقل اعتماداً على واشنطن.
كما أدركت الحكومات الأوروبية أن كثيراً من تهديدات ترامب لا تتحول في النهاية إلى إجراءات كاملة، خصوصاً في ظل تصاعد المعارضة الداخلية له داخل الكونغرس والمحاكم الأميركية، وحتى من بعض الشخصيات المنتمية إلى تيار «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً).
وفي الوقت نفسه، تراجع القلق الأوروبي من التأثير السياسي لـ«ماغا» على الانتخابات الأوروبية، لاسيما بعد فشل محاولات ترامب وفانس في التأثير على المشهد السياسي المجري، كما أن انخفاض شعبية ترامب بين الرأي العام الأوروبي جعل من انتقاد واشنطن ومواجهتها سياسياً خطوة تحقق مكاسب داخلية للقادة الأوروبيين في استطلاعات الرأي.
ومن المرجح أن ينعكس هذا التحول في المزاج الأوروبي على طبيعة التعامل مع الولايات المتحدة خلال النزاعات المقبلة، خصوصاً في الملفات التجارية، فإذا مضت واشنطن في فرض تعريفات جمركية جديدة على الصادرات الأوروبية، وعلى رأسها السيارات، فمن المتوقع أن يرد الاتحاد الأوروبي بإجراءات أكثر قوة من تلك التي اتخذها سابقاً.
وقد وافقت دول الاتحاد الأوروبي بالفعل على إعداد حزمة إجراءات انتقامية تستهدف صادرات أميركية بمليارات اليوروهات، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً في الوقت نفسه، كما يواصل الاتحاد الأوروبي اتخاذ خطوات لتقليل اعتماده على الولايات المتحدة في مجالات استراتيجية، تشمل الدفاع والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المتقدمة.
في المقابل، قد يعود ملف غرينلاند إلى الواجهة مجدداً، في ظل تعثر الجهود المشتركة بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة لمعالجة المخاوف الأمنية المتعلقة بالقطب الشمالي. وإذا أعاد ترامب طرح تهديداته المتعلقة بالسيطرة الإقليمية، فمن المتوقع أن يستخدم الاتحاد الأوروبي أدواته الاقتصادية والتجارية لمواجهة الضغوط الأميركية، بما في ذلك استهداف شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.
عن «الغارديان»
علاقة متوازنة
تبدو العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة اليوم أقل خضوعاً وأكثر توازناً مقارنة بالماضي، فالحكومات الأوروبية باتت ترى أنها تمتلك قدرة أكبر على مقاومة الضغوط الأميركية، بينما تراجعت صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتباره زعيماً لا يمكن تحديه، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
ولم يعد حلفاء واشنطن في أوروبا يشعرون بأنهم مضطرون إلى مجاملة ترامب أو مسايرته حتى نهاية ولايته الثانية.
. اقتناع متزايد داخل أوروبا بأن النفوذ الأميركي على القارة لم يعد بالقوة ذاتها التي كان عليها قبل سنوات.
. الحكومات الأوروبية أدركت أن كثيراً من تهديدات ترامب لا تتحول في النهاية إلى إجراءات كاملة، لاسيما في ظل تصاعد المعارضة الداخلية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news