فقد زعيمه غير الرسمي في المجر.. لكنه لم يتراجع

اليمين الأوروبي المتطرف باقٍ.. والعديد من أحزابه راسخ

فوز بيتر ماغيار في المجر جاء نتيجة لحملته الانتخابية خارج معاقل المعارضة التقليدية. أ.ف.ب

أدت الهزيمة التي مُني بها رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، في الانتخابات الشهر الماضي، إلى موجة من «التفاؤل الديمقراطي»، إذ يتكهن الديمقراطيون في جميع أنحاء العالم بتراجع «اليمين المتطرف». وفي الوقت نفسه، ثمة إجماع على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تحول من مصدر إلهام إلى «عبء» على اليمين المتطرف العالمي.

ينطوي سقوط أوربان على أهمية رمزية عظيمة بالنسبة للسياسة في الاتحاد الأوروبي، ليس أقلها صفقة الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، إلا أنه علينا توخي الحذر الشديد، وعدم المبالغة في تفسيره، فالدروس المستفادة من كيفية هزيمة ما يسمى «الديمقراطيين غير الليبراليين»، يجب أن تضع في اعتبارنا أن أوربان حكم لمدة 16 عاماً، وهي مدة استثنائية، إذ أتاح له ذلك الإشراف ليس فقط على تحول سياسي في المجر، بل على تحول اقتصادي واجتماعي أيضاً. ولم تكن هزيمته رفضاً لسياساته اليمينية المتطرفة، بل كانت نتيجة للوضع الاقتصادي المتردي للبلاد، ومزاعم فساد.

وبالمقابل، لم يكن فوز بيتر ماغيار تأييداً لسياساته بقدر ما كان نتيجة لحملته الانتخابية الدؤوبة خارج معاقل المعارضة التقليدية في الدوائر الانتخابية الأكثر استراتيجية، ضمن نظام انتخابي غير متناسب للغاية. وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجية قد تُؤتي ثمارها بطرق مماثلة في الأنظمة التي تعتمد على فوز الأغلبية، مثل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلا أنها ستكون أقل تأثيراً بكثير في الأنظمة النسبية مثل هولندا.

وعلى الرغم من أن اليمين المتطرف الأوروبي قد فقد زعيمه غير الرسمي، إلا أنه ليس في حالة تراجع. صحيح أن بعض أحزاب اليمين المتطرف الأخرى قد خسر الانتخابات أخيراً، في بلغاريا، أو خسر السلطة كما في هولندا، لكن أحزاب هذا اليمين المتطرف لاتزال في الحكومة في عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل التشيك، وإيطاليا، وتتصدر استطلاعات الرأي في دول أخرى مثل النمسا، وفرنسا. والحقيقة هي أن اليمين المتطرف باق، والعديد من أحزابه راسخ.

والأهم من ذلك، أن اندماج وتطبيع شخصيات وأفكار اليمين المتطرف مستمر دون هوادة، فقد أصبحت إيطاليا في عهد رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني وجهةً لا غنى عنها للسياسيين الذين يحاولون تصوير أنفسهم على أنهم متشددون في قضايا الهجرة، بدءاً من رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وصولاً إلى رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر.

ويتعاون الآن حزب الشعب الأوروبي، وهو التحالف السياسي على مستوى الاتحاد الأوروبي لأحزاب «يمين الوسط»، علناً مع أحزاب اليمين المتطرف لتمرير تشريعات في البرلمان الأوروبي، بينما لايزال يتودد علناً إلى ميلوني.

ولا يقتصر هذا التعاون على الهجرة، فمنذ انتخابات الاتحاد الأوروبي عام 2024، تبنى حزب الشعب الأوروبي موقفاً يمينياً متطرفاً متشككاً تجاه أزمة المناخ وحماية البيئة.

وصحيح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُعد حالياً «مثيراً للجدل» بالنسبة لليمين المتطرف، على الرغم من أن هذا لم يكن له تأثير يُذكر على الانتخابات المجرية، ولكن هذه المسألة ليست ثابتة، فعندما يهدد الرئيس الأميركي باحتلال غرينلاند، والانسحاب من حلف شمال الأطلسي «الناتو»، أو بفرض تعريفات جمركية على الاتحاد الأوروبي، فإنه يشكل عبئاً على أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية.

ولكن عندما يرتبط اسمه بشكل أساسي بسياسات مناهضة المؤسسة الحاكمة وسياسات الهجرة، يعود نجمه للصعود مجدداً في أوساط اليمين المتطرف، على الرغم من أن ناخبي اليمين المتطرف الأوروبيين عموماً متشككون في ترامب. ولذا، فإن «الانفصال» الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة بين ميلوني وترامب هو انفصال استراتيجي وليس إيديولوجياً، وبالتالي سيكون مؤقتاً وليس دائماً.

لكن ترامب يُفيد اليمين المتطرف الأوروبي بمجرد كونه رئيساً للولايات المتحدة. فكلما أدلى رئيس أقوى دولة في العالم بتصريح، فإنه يكون له صدى مهم. وعلاوة على ذلك، فإن الكثير مما يقوله، مهما كان متطرفاً، يُصبح مقبولاً ومنطقياً في خطاب وسائل الإعلام والسياسيين الرئيسين.

لكن سلوك ترامب المتطرف، يسهّل على قادة اليمين المتطرف الأوروبيين الظهور بمظهر «المعتدل».

وتفيد هذه المقارنة، سياسيين بارعين مثل ميلوني، فعندما لا تتصرف بعدوانية وتهور وصخب مثل ترامب يتم النظر إليها على أنها مجرد «محافظة» وليست سياسية يمينية متطرفة. ويُساعدها في ذلك التحيز لكونها امرأة، لدى العديد من المراقبين، الذين يفترضون أن النساء أقل تطرفاً من الرجال.

ولا يقلل كل هذا من شأن المجر أو الشعب المجري الذي عارض أوربان وأطاح به، خصوصاً العديد من المجريين اليساريين الذين صوتوا لسياسي يميني لإنقاذ الديمقراطية.

ينبغي لنا أن نحتفل بهذا النصر المهم، لكن ينبغي علينا القيام بذلك دون تعميم أو تبسيط، حتى نتمكن من ضمان إمكانية تحقيق انتصارات انتخابية مماثلة في أوروبا والولايات المتحدة.

كاس مودي*

*أستاذ في جامعة جورجيا الأميركية

عن «الغارديان»

تويتر