مع التفاوت الكبير بين دول القارة في القدرة على التعامل مع الأزمات

حرب إيران تكشف هشاشة أمن الطاقة في آسيا.. وتعيد تشكيل خريطة الاستثمار

التكاليف المرتفعة للطاقة تؤدي إلى اتساع الفجوة في المرونة الاقتصادية بين دول آسيا. رويترز

كشفت حرب إيران عن واقع اقتصادي معقد في قارة آسيا، يتمثل بوجود تفاوت كبير بين دولها في القدرة على الوصول إلى مصادر الطاقة وتأمينها، لاسيما وقت الأزمات.

وأصبح من الواضح أن مستوى الثراء والقدرة المالية لم يعدا مجرد عوامل داعمة للنمو، بل تحولا إلى عناصر حاسمة تحدد قدرة الدول على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية.

وعلى مدار سنوات طويلة، نظر المستثمرون إلى آسيا باعتبارها كتلة اقتصادية متماسكة ومحركاً رئيساً للنمو العالمي، ما دفع رؤوس الأموال إلى التدفق نحو اقتصاداتها المختلفة، استناداً إلى مجموعة من الافتراضات المستقرة، من أبرزها استقرار طرق التجارة الدولية، وتوافر الطاقة بأسعار معقولة، واستمرار التوسع الاقتصادي المدفوع بالصادرات الصناعية والتجارية.

إلا أن هذه الفرضيات أصبحت اليوم عرضة لاختبار حقيقي في ظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع الأهمية الحيوية لمضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب من خُمس إمدادات النفط العالمية. وأي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي لا ينعكس بالتأثير ذاته على جميع الدول الآسيوية، بل يخلق انقساماً واضحاً بين دول قادرة على امتصاص الصدمات ودول أخرى أكثر هشاشة وضعفاً.

الأكثر قدرة

وتأتي اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة في مقدمة الدول الأكثر قدرة على التعامل مع أزمات الطاقة، فرغم اعتمادها الكبير على استيراد النفط والغاز، فإنها تمتلك في المقابل إمكانات مالية ضخمة تتيح لها حماية اقتصاداتها من التقلبات الحادة.

فاليابان لديها احتياطات من النقد الأجنبي تتجاوز تريليون دولار، في حين تمتلك كوريا الجنوبية أكثر من 400 مليار دولار، وهو ما يمنح هذه الدول قدرة كبيرة على دعم عملاتها المحلية، وتخفيف أثر ارتفاع أسعار الوقود، وتأمين احتياجاتها حتى في فترات نقص الإمدادات العالمية.

وفي المقابل تبدو الصورة أكثر صعوبة بالنسبة للدول الأقل قدرة مالياً. فبنغلاديش، على سبيل المثال، تعاني معدلات تضخم تتجاوز 8%، بينما يحذر المسؤولون فيها من أن فاتورة الوقود المرتفعة تستنزف الموارد العامة وتضغط على المالية الحكومية بشكل متزايد.

كما شهدت كوريا الجنوبية نفسها ارتفاعاً حاداً في أسعار الواردات بنسبة بلغت 16.1% على أساس سنوي خلال مارس الماضي، وهو ما يعكس السرعة الكبيرة التي تنتقل بها الصدمات الخارجية إلى الاقتصادات المحلية وتؤثر على مستويات الأسعار والتكاليف.

تخفيض النمو

وفي ظل هذه التطورات خفّض بنك التنمية الآسيوي توقعاته لنمو اقتصادات آسيا إلى 4.7% بدلاً من 5.1%، في حين رفع توقعاته لمعدلات التضخم إلى 5.2%، في إشارة واضحة إلى تزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن اضطرابات الطاقة والتجارة العالمية.

وأصبح من الواضح أن آسيا تنقسم حالياً إلى طبقات اقتصادية مختلفة وفقاً لمستوى أمن الطاقة، والقدرة المالية، وسهولة الوصول إلى رأس المال. ففي الأسواق المضطربة لا تتدفق الطاقة بصورة عادلة ومتساوية، بل تتجه إلى الدول القادرة على الدفع وتحمل التكاليف المرتفعة، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة في المرونة الاقتصادية بين الدول.

الاستثمار

ومن منظور المستثمرين العالميين فإن هذه التحولات تعيد صياغة مفهوم الاستثمار في آسيا بالكامل. فلم تعد القارة تعامل باعتبارها وحدة اقتصادية واحدة، بل أصبح الوصول إلى الطاقة عاملاً رئيساً في تحديد وجهات الاستثمار وتخصيص رؤوس الأموال.

وستكون الدول التي تمتلك احتياطات قوية، وسياسات اقتصادية موثوقة، ومصادر متنوعة للطاقة أكثر جذباً للاستثمارات، بينما ستواجه الاقتصادات الأضعف ارتفاعاً في مستويات المخاطر وتراجعاً في ثقة المستثمرين.

وقد بدأت أسواق العملات بالفعل في عكس هذا الانقسام. فقد أنفقت اليابان ما يقارب 35 مليار دولار لدعم الين الياباني بعد تراجع قيمته نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، بينما لا يمتلك العديد من الاقتصادات الآسيوية الأخرى القدرة ذاتها على التدخل ودعم عملاتها المحلية.

ومع استمرار ارتفاع تكاليف الاستيراد تتراجع قيمة العملات، ما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وتشديد الأوضاع المالية والائتمانية.

كما أن أسواق السندات مرشحة للتأثر بشكل مماثل، حيث ستواجه الدول ذات العجوزات الخارجية المرتفعة والاعتماد الكبير على الواردات تكاليف اقتراض أعلى وضغوطاً مالية أكبر.

ورغم أن بعض الحكومات قد تتخذ إجراءات لدعم الأسواق أو تخفيف الأثر المباشر للأزمة، فإن هذه التدخلات قد تؤدي على المدى الطويل إلى تفاقم العجز المالي وزيادة هشاشة الاقتصادات ذات الموارد المحدودة.

عدم اليقين

ويبدو التأثير الأعمق لهذه الأزمة ذا طبيعة هيكلية طويلة الأمد، فقد اعتمد نموذج النمو الآسيوي لعقود على تدفق الطاقة الرخيصة والموثوقة من الشرق الأوسط، إلا أن هذا النموذج أصبح اليوم يواجه حالة متزايدة من عدم اليقين.

وحتى في حال عودة الإمدادات النفطية إلى مستوياتها الطبيعية، فإن علاوة المخاطر ستظل قائمة، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى زيادة فترات التسليم والتأخير في حركة التجارة العالمية.

وبالنسبة للاقتصادات الصناعية التي تعتمد على هوامش ربح محدودة وأنظمة إنتاج دقيقة التوقيت، فإن التأخير في وصول الإمدادات لا يقل خطورة عن ارتفاع الأسعار نفسها. فتأخر الشحنات يؤدي إلى اضطراب جداول الإنتاج، وارتفاع تكاليف التخزين، وتراجُع القدرة التنافسية للصادرات الآسيوية في الأسواق العالمية. عن «أيجا تايمز»


ترتيب جديد

في ظل هذا الواقع الجديد، أصبح التركيز على دول داخل آسيا أكثر أهمية من النظر إلى القارة ككتلة اقتصادية واحدة، لاسيما مع بروز مؤشرات مثل احتياطات النقد الأجنبي، وميزان الحساب الجاري، ومدى الاعتماد على واردات الطاقة بوصفها عوامل أساسية في تقييم الاقتصادات وفرص الاستثمار.

وأصبح التعامل مع آسيا، كموضوع استثماري موحد، ينطوي على مخاطر أكبر مقارنة بالماضي.

وداخل هذا الترتيب الجديد تحتل الصين والهند موقعاً معقداً، فالصين تمتلك قاعدة إنتاجية ضخمة وقدرة عالية على التدخل الحكومي، لكنها لاتزال تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة، بينما تواصل الهند تحقيق معدلات نمو قوية، إلا أنها تستورد نحو 85% من احتياجاتها النفطية، ما يجعل اقتصادها شديد الحساسية تجاه تقلبات أسعار الطاقة العالمية.

. الدول التي تمتلك احتياطيات قوية وسياسات اقتصادية موثوقة ومصادر متنوعة للطاقة ستكون أكثر جذباً للاستثمارات.

. آسيا تنقسم حالياً إلى طبقات اقتصادية مختلفة وفقاً لمستوى أمن الطاقة، والقدرة المالية، وسهولة الوصول إلى رأس المال.

تويتر