تشمل تراجع عدد المواليد والهجرة والتجنيد والتوسّع في الصناعات العسكرية

4 أسباب متداخلة وراء النقص الحاد في العمالة بروسيا

على مدى السنوات الثلاث الماضية انضم 30 ألف جندي جديد شهرياً للقتال في أوكرانيا. رويترز

يفضل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الإحصاءات الإيجابية، ففي اجتماع حكومي عُقد في 15 أبريل الماضي، ورغم اعترافه بتباطؤ النمو، أشار بفخر إلى أن معدل البطالة في روسيا عند 2.1%، وهو أدنى مستوى قياسي، وقال إن هذا دليل على أن الاقتصاد الروسي لايزال سليماً في جوهره رغم كل ما أطلقه الغرب عليه، لكن المراقبين يرون أنه يتعين على الرئيس الروسي أن يقلق، فمعدل البطالة الذي وصل إلى أدنى مستوى قياسي ليس في الظروف العادية، مدعاة للقلق، غير أنه في حالة روسيا فإنه يشير إلى شيء أقرب إلى حالة طوارئ بطيئة، وللمرة الأولى في تاريخها، ما بعد الاتحاد السوفييتي، تعاني روسيا نقصاً في العمال.

وخلال حديث بثّته التلفزيونات المحلية في اليوم التالي لحديث بوتين عن مستويات قياسية دنيا للبطالة، قالت محافظ البنك المركزي الروسي، إلفيرا نابيولينا، إن نقص العمالة السبب الرئيس لاستمرار تباطؤ الاقتصاد.

وتتنافس الشركات على عدد متناقص من العمال، ما يؤدي إلى ارتفاع الأجور دون أي زيادة مقابلة في الإنتاج، بينما تتبع الأسعار ذلك.

وللحد من التضخم الذي يبلغ في روسيا نحو 6%، اضطر البنك المركزي إلى الإبقاء على سعر الفائدة الرئيس عند 14.5%، أي أكثر من ضعف معدل التضخم، لإبقاء ضغوط الأسعار تحت السيطرة، لكن هذا ليس علامة على صحة الاقتصاد.

العامل الديموغرافي

وهناك أربعة أسباب متداخلة وراء هذا النقص الحاد في العمالة، حيث أدت حرب روسيا على أوكرانيا إلى تفاقمها جميعاً بشكل كبير.

السبب الأول هو العامل الديموغرافي، حيث تعاني روسيا عواقب انهيار معدلات المواليد في تسعينات القرن الماضي، فالفئة العمرية التي وُلدت بين عامي 1992 و2002، وهي السنوات التي شهدت أدنى معدلات المواليد، أصبحت الآن في سن العمل، أو بالأحرى من الواضح أنها ليست كذلك.

وفي عام 2022 وحده، انخفض عدد العمال الذين تراوح أعمارهم بين 25 و29 عاماً بأكثر من 720 ألفاً.

وكان علماء الديموغرافيا، توقعوا حدوث ذلك، ففي عام 2017، توقعوا أن يتقلص عدد السكان النشطين اقتصادياً بمقدار ستة إلى سبعة ملايين نسمة بحلول عام 2030، وبمقدار يصل إلى 23 مليون نسمة بحلول عام 2050.

هجرة واردة

أما السبب الثاني فهو الهجرة، حيث يتناقص عدد سكان روسيا بشكل طبيعي منذ عام 1992، بخسارة تراكمية بلغت 16.8 مليون نسمة على مدى ثلاثة عقود. وما أبقى القوة العاملة في مستوى مقبول، هو الهجرة الواردة، فقد سد نحو 12.3 مليون شخص، معظمهم من آسيا الوسطى، ثلاثة أرباع تلك الفجوة.

وقبل جائحة «كورونا»، كانت روسيا تستضيف نحو 4.5 ملايين مهاجر قانوني، أما الآن فيراوح عددهم بين ثلاثة ملايين و3.5 ملايين مهاجر.

ويذهب العمال من قيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان إلى أماكن أخرى، مثل تركيا ودول الخليج، وإلى أي مكان يدفع رواتب أفضل ويوفر ظروفاً معيشية أحسن، أما الهجرة من أوكرانيا، التي كانت ذات أهمية في السابق، فقد توقفت بالطبع تماماً.

التجنيد والدفاع

العامل الثالث هو التجنيد العسكري، إذ كان ينضم نحو 30 ألف جندي متعاقد جديد شهرياً للقتال في أوكرانيا على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وهذا يعني أن نحو مليون رجل أو نحو 1.5% من السكان في سن العمل، يعملون رسمياً في صفوف الجيش، أضف إلى ذلك نحو 600 ألف شخص هاجروا في عام 2022 وحده والموجات اللاحقة من المغادرين، وستكون قد أزالت ما يزيد على 2% من القوة العاملة المدنية، أولئك الذين غادروا قد يعودون نظرياً، ما عدا أولئك الذين عادوا إلى ديارهم في توابيت.

ويتمثّل العامل الرابع في صناعة الدفاع نفسها التي استنزفت ما تبقى، فقد توسعت الصناعة العسكرية، المدعومة بسخاء من الدولة، بشكل كبير، ما أدى إلى جذب العمال بعيداً عن الصناعات المدنية.

ويحتاج الجيش إلى رجال للقتال، بينما تحتاج مصانع الأسلحة إلى رجال للإنتاج، والنتيجة سوق عمل شديدة الضيق، بحيث لا يكاد أصحاب العمل العاديون يجدون عمالاً للتشغيل في مصانعهم أو شركاتهم.

تباطؤ الاقتصاد

ومن غير المرجح أن يتحسن أي من ذلك قريباً، ولن تتوافر القوى العاملة إلا إذا تباطأ الاقتصاد بشكل حاد بما يكفي لإحداث تسريح جماعي للعمال، وعندها سيقوم الجيش وصناعة الأسلحة ببساطة باستيعاب كل من يصبح متاحاً.

وهذا يشير إلى زاوية لم يتم استغلالها بشكل كافٍ من قبل صانعي السياسات الغربيين، فإذا كان الهدف هو زيادة الضغط على موسكو، فإن سوق العمل تمثّل هدفاً أكثر فاعلية من السلع الفاخرة، فمن شأن تقييد البنوك وشركات معالجة المدفوعات التي تتولى التحويلات المالية للعمال المهاجرين الروس إلى آسيا الوسطى، أن يقطع شريان الحياة المالي الذي يحافظ على استمرار تدفق هؤلاء العمال، كما أن الاستثمار في التعليم والتوظيف في طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان من شأنه أن يمنح المهاجرين المحتملين سبباً للبقاء في أوطانهم.

إن الحفاظ على مسارات الحصول على التأشيرات للروس الذين يرغبون في المغادرة، من شأنه أن يُسـرّع هجرة الأدمغة التي تعمل بالفعل على إفراغ القوى العاملة التقنية في روسيا. عن «ذا سبكتايتور»


برنامج لاستقطاب الأجانب

أعلنت وزارة الخارجية الروسية، في أبريل الماضي، إطلاق خدمة رقمية تتيح للأجانب التقدّم بطلبات للعيش والعمل في البلاد، وفقاً لمنشور على منصة التواصل الاجتماعي «إكس».

وتواجه البلاد نقصاً حاداً في اليد العاملة في العديد من القطاعات، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، فقد انضم مئات الآلاف إلى صفوف الجيش، في حين استقطبت الصناعات الدفاعية العمال بعيداً عن المؤسسات المدنية.

كما شهدت البلاد نزوحاً للعمال منذ عام 2022، حيث غادر الكثيرون روسيا وسط ضوابط سياسية وقيود أكثر صرامة عقب اندلاع الحرب.

وأضافت الوزارة أن البرنامج الذي يحمل اسم «حان وقت العيش في روسيا»، يستهدف الأجانب الذين يمتلكون «مهارات مطلوبة»، ويظهرون «احتراماً» لما وصفته بـ«القيم الروسية التقليدية»، ويشمل العلماء ورجال الأعمال والرياضيين والمهنيين المبدعين، والطلاب الموهوبين والخريجين، والمستثمرين وغيرهم من المتخصصين الذين يُعتبرون مطلوبين، حسبما أوضح الموقع الإلكتروني الخاص بالبرنامج.

ووفقاً لموقع البرنامج، يجب على المتقدمين تقديم طلب وسيرة ذاتية موجزة، وتقديم مستندات تؤكد مؤهلاتهم، والخضوع لمقابلة عبر الإنترنت، وانتظار القرار، مع فترة مراجعة أقصاها 125 يوماً.

ويتم تعيين مشرف شخصي للمتقدمين الناجحين، لمساعدتهم في الحصول على التأشيرات وإجراءات الحدود والإقامة.

تويتر