أوروبا أمام إعادة تعريف لنفسها.. «التقارب الدستوري» أم «التجاور الإقليمي»
نقاش قانوني وسياسي جاد بشأن انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي
النظم القانونية الكندية والأوروبية وصلت إلى درجة عالية غير معتادة من الترابط. أرشيفية
تحدد معاهدات الاتحاد الأوروبي شروطاً جوهرية للانضمام إلى الكتلة، لكنها تترك مفهوم «أوروبا» والنطاق الجغرافي النهائي للاتحاد مفتوحين بشكل لافت للنظر، ما يجعل من الممكن نظرياً تصور كندا، كدولة عضو مستقبلية. وهذا الانفتاح المتعمد هو بالضبط ما يسمح للاتحاد بالنمو والازدهار من خلال مواجهة ما هو عليه بالفعل وما قد يصبح عليه، إذا ما سعى إلى الوصول إلى النتيجة المنطقية لأشكال العضوية التي تستند أقل إلى التجاور الإقليمي، وأكثر إلى التقارب الدستوري والاقتصادي وتقارب القِيَم.
ففكرة انضمام كندا المحتمل إلى الاتحاد الأوروبي ليست جديدة تماماً، ففي السنوات الأخيرة، أشار باحثون ومعلقون، مثل فريديريك ميراند، وغيره من محللين يعملون على العلاقات بين كندا والاتحاد الأوروبي صراحة، إلى جعل احتمال عضوية كندا في الاتحاد الأوروبي، خياراً استراتيجياً طويل الأمد.
وتؤكد هذه المداخلات أنه على الرغم من عدم توقع إجراء مفاوضات رسمية في الوقت الحالي، فإن السؤال: «هل يمكن لكندا الانضمام؟»، انتقل من مجال الخيال البحت، إلى مجال النقاش القانوني والسياسي الجاد.
وبهذا المعنى، تعكس المناقشة حول انضمام كندا تأملات أوسع نطاقاً حول مرونة المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وحول المدى الذي يمكن فيه تفسير مصطلح «أوروبي» من الناحية الثقافية أو السياسية، أو حتى الوظيفية، بدلاً من كونه تسمية قارية بحتة.
يجب النظر إلى هذا النقاش في سياق شبكة كثيفة ومتطورة باستمرار من الاتفاقات الثنائية بين كندا والاتحاد الأوروبي، والتي يحتل «الاتفاق الاقتصادي والتجاري الشامل» مكانة مركزية فيها. وقد أُلغيت بموجب هذا الاتفاق، الذي تم توقيعه في عام 2016 وبدأ تطبيقه مؤقتاً منذ عام 2017، الرسوم الجمركية على الأغلبية العظمى من السلع، وفتحت أسواق المشتريات العامة لدى الطرفين، وتم تسهيل التجارة في الخدمات والاستثمار، بجانب وجود أحكام طموحة بشأن حقوق العمال وحماية البيئة.
ويعني عمق واتساع نطاق هذه الاتفاقية أن كندا تشارك بالفعل في جوانب من المجال الاقتصادي والتنظيمي للاتحاد الأوروبي، والتي لا يمكن للعديد من الشركاء الآخرين الوصول إليها إلا من خلال العضوية، وقد أدت الأحكام المتعلقة بالاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية، وعدم التمييز ضد المستثمرين، والوصول الواسع إلى الأسواق، إلى وصول النظم القانونية الكندية والأوروبية إلى درجة عالية غير معتادة من الترابط، على الرغم من أن كندا تظل رسمياً «دولة ثالثة»، في السياق الجيوسياسي الحالي، الذي يتسم بتراجع الديمقراطية في مناطق مختلفة، وبتزايد الطعن في المعايير المتعددة الأطراف، يمكن اعتبار هذا الارتباط الوثيق جزءاً من محاولة أوسع نطاقاً لتعزيز منطقة عبر الأطلسي قائمة على الديمقراطية، وسيادة القانون، ومعايير قوية للرفاهية.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى البنية التعاقدية الحالية بين كندا والاتحاد الأوروبي على أنها مرحلة انتقالية ضمن مسار تكامل متواصل، وليس كحد أقصى نهائي، فالمادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، تشترط بالفعل أن تتمتع الدول المرشحة بمؤسسات ديمقراطية مستقرة، واقتصاد فعّال، وقدرة على تحمل التزامات العضوية، وهي شروط لن تجد كندا، بصفتها تُعدّ ديمقراطية ليبرالية ناضجة واقتصاداً متقدماً، صعوبة في استيفائها نظرياً.
وإذا كان الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء على استعداد لتفسير مفهوم «الدولة الأوروبية» بطريقة وظيفية وموجهة نحو القِيَم، تمنح الأولوية للتقارب الدستوري والتكامل الاقتصادي الكثيف والالتزامات المشتركة في مجال القانون العام على حساب التجاور الإقليمي، فلا يوجد في القانون الأساسي ما يجعل طلب كندا غير متصوَّر من حيث المبدأ.
وفي هذا السياق، فإن ترشح كندا سيُختبر، وربما يُوسِّع الحدود القصوى لفهم «الاتحاد» لذاته، باعتباره منظمة إقليمية تطمح إلى أن تكون قوة عالمية. وسيُجبر ذلك مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء على توضيح ما إذا كانت كلمة «أوروبا» الواردة في المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي تشير إلى «منطقة جغرافية معينة»، أو «مشروع تاريخي حضاري»، أو «فضاء دستوري» تربطه قِيَم مشتركة والتزامات قانونية، وما إذا كان من الممكن، في عصر التراجع الديمقراطي وإعادة التوازن الجيوسياسي، أن يشمل هذا الفضاء بشكل شرعي ديمقراطية أميركية شمالية تشارك بالفعل في الممارسة العملية كجزء كبير من قواعد الاتحاد. عن «جيوبوليتكل مونتور»
. كندا تظل رسمياً «دولة ثالثة» في السياق الجيوسياسي الذي يتسم بتراجع الديمقراطية بمناطق مختلفة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news