ارتفاع الحرارة والجفاف والظواهر الجوية المتطرفة تضع المنطقة أمام اختبار عاجل للتحرك الجماعي
التغير المناخي يُهدّد اقتصاد وبيئة حوض البحر الأبيض المتوسط
الفيضانات التي تضرب منطقة «حوض المتوسط» تتسبب في خسائر بشرية ومادية جسيمة. من المصدر
يُعدّ حوض البحر الأبيض المتوسط من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتغير المناخي، وفي الوقت نفسه من أقلها استعداداً لمواجهة تداعياته المتسارعة، فهذه المنطقة تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بوتيرة تفوق المتوسط العالمي، إلى جانب تفاقم مشكلات نُدرة المياه، وتزايد حدة الظواهر الجوية المتطرفة.
كل هذه العوامل تجعل البحر الأبيض المتوسط نقطة تتركز فيها الضغوط البيئية والمناخية، التي ستؤثر بشكل عميق في ملامح المستقبل خلال العقود المقبلة.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى البحر الأبيض المتوسط على أنه مجرد منطقة مهددة، بل يجب اعتباره أولوية رئيسة للعمل المناخي، وميداناً عملياً يمكن من خلاله، على سبيل المثال، للاتحاد الأوروبي اختبار سياسات مناخية أكثر طموحاً وتنسيقاً، فالمنطقة تمثّل نموذجاً مصغراً للتحديات العالمية، ما يمنحها أهمية استراتيجية في صياغة الحلول.
حلقة وصل
ويحتضن حوض البحر الأبيض المتوسط أكثر من 500 مليون نسمة، ويشكل حلقة وصل جغرافية وحضارية بين أوروبا وإفريقيا وآسيا.
وعلى الرغم من أن مساحته لا تتجاوز 1% من إجمالي المحيطات العالمية، فإنه يتميز بتنوع بيولوجي غني للغاية، كما تشهد سواحله نشاطاً اقتصادياً كثيفاً يشمل التجارة البحرية، والسياحة، وقطاع الصيد، ما يزيد حساسيته لأي تغيرات بيئية.
وقد ارتفعت درجات الحرارة في هذه المنطقة بنحو 1.5 درجة مئوية خلال 40 عاماً الماضية، مع تسارع واضح في وتيرة هذا الارتفاع خلال العقود الأخيرة. وأصبحت موجات الحر البحرية أكثر تكراراً، ما أدى إلى نفوق جماعي للكائنات البحرية، في حين تتعرض المناطق الساحلية التي يسكنها نحو ثلث السكان، لتهديدات متزايدة نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
جفاف وفيضانات
ولا تقتصر التأثيرات على البيئة البحرية فحسب، بل تمتد إلى اليابسة أيضاً، حيث تشهد مناطق واسعة من جنوب أوروبا موجات جفاف شديدة تؤثر بشكل مباشر في الزراعة والموارد المائية، في حين تتسبب الفيضانات الكارثية في خسائر بشرية ومادية جسيمة، كما حدث في فيضان نهر سافيو في إيطاليا.
وكذلك أصبحت موجات الحر أكثر طولاً وشدة، ما ينعكس سلباً على الإنتاجية الاقتصادية والصحة العامة، لاسيما لدى الفئات الأكثر هشاشة مثل كبار السن، وقد سُجلت في أوروبا خلال عام 2022 أكثر من 60 ألف وفاة مرتبطة بالحرارة، كان معظمها في دول البحر الأبيض المتوسط.
وفي الوقت ذاته، يتعرض التنوع البيولوجي لضغوط غير مسبوقة، فقد استُنزف جزء كبير من مخزون الأسماك في المنطقة، بينما تؤدي ظواهر مثل ارتفاع درجة حرارة المياه وزيادة حموضة المحيطات، إلى اضطراب النظم البيئية التي استغرق تكوّنها قروناً طويلة.
«ميزانية الكربون»
وهنا تبرز ضرورة تطبيق مفهوم «ميزانية الكربون» بشكل عاجل في دول البحر الأبيض المتوسط، ويعني هذا المفهوم تحديد الكمية الإجمالية المسموح بها من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للحفاظ على الاحترار العالمي ضمن حدود آمنة، مثل 1.5 أو درجتين مئويتين، غير أن استمرار الانبعاثات بالمستويات الحالية، قد يؤدي إلى استنفاد هذه الميزانية في المنطقة بحلول عام 2035، وهو ما يعني تجاوز الحدود التي حدّدتها اتفاقية باريس خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
ولتفادي هذا السيناريو، يتطلب الأمر تحولاً جذرياً غير مسبوق، حيث ينبغي خفض الانبعاثات بنسبة تقارب 6% سنوياً بين عامي 2030 و2050، ويطرح هذا التحدي إشكالات سياسية معقدة تتعلق بتوزيع الأعباء بين الدول، حيث تختلف قدراتها الاقتصادية ومسؤولياتها التاريخية بشكل كبير، ما يعني أن بعض الدول مطالبة ببذل جهود أكبر من غيرها.
تعاون إقليمي
وعلى صعيد التعاون الإقليمي، توجد مبادرات مثل اتفاقية برشلونة الهادفة إلى الحد من التلوث البحري وتعزيز التنسيق بين الدول الساحلية والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك إنشاء مناطق بحرية محمية ومراقبة البيئة البحرية، إلا أن هذه الجهود لاتزال تعاني التشتت، ونقص التمويل، وضعف التنفيذ الفعلي.
كما تواجه دول حوض البحر الأبيض المتوسط، تحديات متشابهة من حيث المخاطر المناخية، لكنها تختلف في قدرتها على التعامل معها، فبينما تتمتع دول الاتحاد الأوروبي بهياكل مؤسسية قوية وموارد مالية أكبر، تعاني العديد من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط قيوداً اقتصادية وهيكلية، واعتماداً على الوقود الأحفوري، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي في بعض الحالات.
وتشير التقييمات الحالية إلى أن الالتزامات المناخية للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط غير كافية، حيث إن الخطط الوطنية القائمة لن تؤدي إلى خفض ملموس في الانبعاثات بحلول عام 2030، بل ستُبقيها عند مستويات قريبة من الوضع الحالي، وهو ما يتناقض مع الأهداف المطلوبة للالتزام بميزانية الكربون.
فرص واعدة
وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن البحر الأبيض المتوسط يمتلك أيضاً فرصاً واعدة لتسريع التحول نحو حلول مستدامة، فالمنطقة تزخر بموارد طبيعية هائلة، خصوصاً في مجال الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويمكن لدول شمال إفريقيا أن تلعب دوراً محورياً كمراكز لإنتاج الطاقة النظيفة، في حين يمكن لجنوب أوروبا أن يُسهم في نقل هذه الطاقة وتوزيعها، ما يعزّز التكامل الإقليمي في مجال الطاقة.
كما أن تطوير مشروعات عابرة للحدود، وتعزيز شبكات الربط الكهربائي، والاستثمار في الهيدروجين الأخضر، يمكن أن يجعل المنطقة ركيزة أساسية في تحول الطاقة على مستوى أوروبا.
ومن جهة أخرى، ينبغي أن تحظى إدارة الموارد المائية بأولوية قصوى، من خلال تبني استراتيجيات إقليمية متكاملة تشمل إعادة استخدام المياه، وتحلية المياه باستخدام الطاقة المتجدّدة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
ولا يقل عن ذلك أهمية حماية التنوع البيولوجي عبر توسيع نطاق المناطق البحرية المحمية، وتعزيز ممارسات الصيد المستدام، والحد من مصادر التلوث المختلفة. عن «ذا بارليمنت»
القدرة على التكيف
تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، يمثّل ضرورة ملحة، من خلال الاستثمار في تخطيط حضري مرن، وتطبيق حلول قائمة على الطبيعة، وتطوير أنظمة حماية اجتماعية فعالة، بما يحد من تفاقم الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتغيرات المناخية.
. 500 مليون نسمة يحتضنها حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي يشكل حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا وآسيا.
. «حوض المتوسط» يتميز بتنوع بيولوجي غني، بينما تشهد سواحله نشاطاً اقتصادياً يشمل التجارة البحرية والسياحة وقطاع الصيد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news