قمة «الدفاع عن الديمقراطية» في إسبانيا تفشل في توحيد المواقف
انقسام دولي حول تغيير النظام الكوبي وسط أزمة داخلية متفاقمة
البيان الختامي للقمة لم يوقّع عليه سوى 3 دول من أصل 12 دولة مشاركة. أ.ب
كان الهدف الأساسي من قمة «الدفاع عن الديمقراطية»، التي انعقدت أخيراً في مدينة برشلونة الإسبانية، التعامل مع التهديد المتزايد بإمكانية إحداث تغيير قسري في النظام الحاكم في كوبا، وهو التهديد الذي سبق أن لوّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة.
غير أن هذه القمة، رغم ما أحاط بها من اهتمام، انتهت إلى نتائج وصفت بأنها محدودة للغاية، بل أقرب إلى الفشل، حيث لم تحظَ بتوافق واسع بين المشاركين.
فقد شارك في القمة 12 وفداً، إلا أن البيان الختامي لم يوقّع عليه سوى قادة ثلاث دول فقط، هي البرازيل والمكسيك وإسبانيا، في محاولة واضحة من هذه الدول لعرقلة أي توجه نحو تغيير النظام الكوبي بالقوة، وذلك بعد سبعة عقود من الحكم.
وفي الوقت الراهن تمر كوبا بأزمة حادة ومعقدة، فعلى عكس ما يُروَج له، لا يُعزى هذا الوضع بشكل أساسي إلى الحصار الأميركي المفروض منذ سنوات طويلة، بل يرتبط بدرجة كبيرة بأزمة وأخطاء داخلية، تشمل السياسات الاقتصادية غير الناجحة، وزيادة الفساد داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب أساليب القمع التي ينتهجها النظام.
وقد تفاقمت هذه الأوضاع مع وجود إدارة أميركية تبدو مستعدة لاستخدام مختلف أدوات القوة لتغيير النظام.
تحول جذري
وفي سياق إقليمي متسارع شهدت فنزويلا قبل نحو ثلاثة أشهر تحولاً جذرياً، حيث أفضت عملية عسكرية أميركية مفاجئة إلى الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو.
وترتب على ذلك إطلاق سراح مئات المعتقلين السياسيين، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، إلى جانب زيارات رسمية لمسؤولين من وكالة المخابرات المركزية الأميركية والقيادة الجنوبية إلى العاصمة كاراكاس.
كما بدأت مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، خطوات ملموسة لإعادة دمج الاقتصاد الفنزويلي في النظام المالي العالمي، وكل ذلك خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
وضع أكثر هشاشة
وفي ظل هذه التحولات يجد النظام الكوبي نفسه في وضع أكثر هشاشة، مع تقلص عدد حلفائه على الساحة الدولية، وتراجُع خياراته السياسية.
ومع ذلك أصدر قادة البرازيل والمكسيك وإسبانيا بياناً مشتركاً، أعربوا فيه عن قلقهم إزاء الوضع الإنساني في كوبا، ودعوا إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف معاناة السكان، مع التشديد على ضرورة تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية أو انتهاك القانون الدولي.
غير أن هذا البيان، بحسب منتقديه، أغفل الإشارة إلى عوامل داخلية جوهرية، من بينها التفاوت الكبير في توزيع الثروة داخل البلاد، حيث يتمتع التكتل الاقتصادي المرتبط بالقوات المسلحة وعائلة كاسترو بنفوذ مالي ضخم يُقدَّر بمليارات الدولارات، في وقت يعاني فيه المواطنون الكوبيون نقصاً حاداً في الموارد الأساسية، مثل المياه والكهرباء والغذاء. ويرى هؤلاء أن هذه الاختلالات تمثل أحد أبرز أسباب الأزمة التي تعيشها كوبا.
موقف معارض
وقال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، إنه لا يحق لأي دولة أن تملي على كوبا كيفية إدارة شؤونها الداخلية، معتبراً أن التدخل الخارجي في قراراتها السيادية أمر غير مقبول.
ويُفهم من هذا الموقف رفض ممارسة ضغوط دولية تتعلق بقضايا مثل إطلاق سراح السجناء السياسيين، وضمان حرية التعبير والدين، وتنظيم انتخابات حرة، وهي مطالب تُعد من ركائز الأنظمة الديمقراطية الغربية.
من جانبها لعبت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم دوراً محورياً في صياغة الموقف المعارض لتغيير النظام الكوبي بالقوة، حيث شددت خلال القمة على أن الديمقراطية تقوم على قيم إنسانية، مثل المحبة والتكافل والكرامة، معتبرة أن هذه المبادئ يجب أن تكون أساس التعامل الدولي. وأكدت أنها تدافع عن الشعوب، وإن لم تصُغ ذلك بشكل مباشر في سياق الحديث عن كوبا.
تغيير ملموس
وعلى مدار عقود تَمَكّن النظام الكوبي من الحفاظ على موقعه رغم محاولات متعددة للتقارب معه من قِبل إدارات أميركية سابقة، مثل إدارات جيمي كارتر وبيل كلينتون وباراك أوباما، التي سعت إلى فتح قنوات حوار، لكنها واجهت، وفق بعض التقييمات، عراقيل وعدم التزام من جانب هافانا. أما في المرحلة الحالية فتتبنى الإدارة الأميركية نهجاً مختلفاً، يقوم على ضرورة إحداث تغيير ملموس في بنية النظام.
عن «ذا هيل»
«السلام عبر القوة»
يقف النظام الكوبي حالياً أمام لحظة مفصلية غير مسبوقة منذ عقود، في ظل بوادر انفتاح محدود، تمثلت في بدء محادثات ثنائية مع الولايات المتحدة، والإفراج عن عدد محدود من السجناء السياسيين، إضافة إلى طرح أفكار تتعلق بتوسيع النشاط التجاري للمواطنين من أصول كوبية في الولايات المتحدة، إلى جانب زيارات رسمية من جهات أمنية أميركية إلى الجزيرة.
وفي ضوء هذه التطورات يرى البعض أن سياسة «السلام عبر القوة» بدأت تترك آثارها، وأن كوبا قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة، قد تحمل تغيرات أعمق في المستقبل القريب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news