لم تتمكن فعلياً من ترحيل سوى 17 ألف شخص إليها
أميركا تبرم صفقات مع «بُلدان ثالثة» للتخلص من المهاجرين غير الشرعيين
من المفترض أن تمنح واشنطن الأشخاص المرحلين فرصة الطعن أمام المحكمة. رويترز
كان تيودورو أوبيانغ الابن في يوم من الأيام على قائمة الممنوعين من دخول الولايات المتحدة. فقبل أكثر من 10 سنوات وجهت النيابة العامة إلى نجل رئيس غينيا الاستوائية، وهي دولة إفريقية صغيرة تعتمد على النفط، تُهمَتَي الابتزاز والاختلاس.
وسُمح له بالاحتفاظ بتذكارات حصل عليها بطرق غير مشروعة، لكن السلطات صادرت قصره في ماليبو، بولاية كاليفورنيا، وسيارته الفارهة من نوع «فيراري»، وفرضت قيوداً على دخوله إلى أميركا، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب رحبت بعودته العام الماضي.
في سبتمبر انضم أوبيانغ إلى اجتماع مع نائب وزير الخارجية الأميركي، كريس لانداو، في واشنطن، حيث ناقشا قضايا الطاقة والأمن، وهي مواضيع بارزة، بالنظر إلى علاقة غينيا الاستوائية الوثيقة مع الصين وروسيا.
كما تحدثا عن الهجرة غير الشرعية، غير أن هذا الأمر كان غريباً. فهذا البلد الصغير ليس مصدراً حقيقياً للمهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة.
اتفاقيات ترحيل
واتضحت الصورة في نوفمبر، عندما غادرت طائرة تُقل تسعة مهاجرين غير شرعيين ولاية لويزيانا الأميركية وهبطت في مالابو، العاصمة السابقة لغينيا.
ولم يكن أي منهم من غينيا الاستوائية، بل كانوا مواطنين من أنغولا وإريتريا، وجورجيا وغانا وموريتانيا.
وتم حبس هؤلاء الأشخاص في فندق، مع الضغط عليهم للعودة إلى بلدانهم الأصلية، التي فروا منها.
وبعد شهر من الاحتجاز تم اقتياد جوناثان (اسم مستعار) قسراً إلى طائرة متجهة إلى وطنه، حيث تعرض للتعذيب على يد العصابات، وهو الآن مختبئ.
هذه هي الممارسات التي تتسم بها حملة الترحيل الجماعي حالياً في أميركا. فقد قبلت 16 دولة على الأقل، معظمها في إفريقيا وأميركا اللاتينية، استقبال مرحلين من أميركا ليسوا من مواطنيها.
كما وقعت 11 دولة أخرى على اتفاقيات ترحيل إلى «بلدان ثالثة» من هذا القبيل. ويتزايد عدد هذه الدول، ففي الأسبوع الماضي، وصلت مجموعة من الكولومبيين والإكوادوريين والبيروفيين إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتريد الإدارة الأميركية إرسال 1000 لاجئ أفغاني، ساعدوا أميركا في السابق في محاربة حركة «طالبان»، إلى الكونغو.
وتتنوع تلك الاتفاقيات، فبعض الدول تقدم اللجوء للمُرحلين، مثل هندوراس وأوغندا، بينما تعمل دول أخرى على إعادة تأهيل وإدماج المجرمين المفرج عنهم، مثل رواندا، في حين تقوم دول أخرى بدور السجانين قبل تنفيذ عمليات الترحيل الخاصة بها، مثل غينيا الاستوائية وغانا.
وتُظهر هذه الدول مجتمعة الدبلوماسية التبادلية للرئيس ترامب، حيث تحول حتمية الترحيل جميع الدول، حتى التي تصنفها واشنطن استبدادية، إلى شركاء مهمين.
أساليب الضغط
وأفاد مصدران دبلوماسيان مطلعان على أمور الهجرة، بأنه في أوائل العام الماضي، تم تشجيع سفراء على إخبار حكومات أجنبية بالمساعدة في قضية الهجرة مقابل مساعدة دولهم. وتختلف الحوافز، أو أساليب الضغط، من حالة إلى أخرى، فقد حصلت كل من غينيا الاستوائية ورواندا على 7.5 ملايين دولار. وكانت منحة بقيمة 30 مليون دولار مقدمة إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الكاميرون مشروطة بتوقيع ذلك البلد على اتفاق.
أما غانا فقد تم تخفيف بعض القيود المفروضة على تأشيرات الدخول. وكذلك فعلت ليبيريا بعد أن وافقت على قبول كيلمار أبريغو غارسيا، وهو رجل سلفادوري حاولت إدارة ترامب ترحيله دون جدوى.
وتوقف ترامب عن الحديث عن الاستيلاء على قناة بنما بعد أن استقبلت بنما 300 شخص من أماكن بعيدة مثل نيبال والصومال.
ويأتي قرار المكسيك بقبول عدد من المرحلين من دول ثالثة، أكبر من أي مكان آخر في ظل المفاوضات التجارية وتهديدات ترامب بقصف عصابات المخدرات.
القانون الدولي
ليست أميركا أول دولة غربية تحاول التخلص من المهاجرين غير المرغوب فيهم بهذه الطريقة، على الرغم من أن القليل منها حقق نجاحاً كبيراً. فقد منعت المحاكم اتفاق بريطانيا مع رواندا، ولم يسفر اتفاق إيطاليا مع ألبانيا عن الكثير حتى الآن. قبل ترامب لم يحاول أي رئيس أميركي إرسال المهاجرين إلى «دول ثالثة» على نطاق واسع.
ويسمح القانون بذلك، ولدى أميركا اتفاق طويل الأمد مع كندا، لكن الممارسة الفعلية لهذا الأمر مشكوك فيها من الناحية القانونية. فبموجب القانون الدولي، يتعين على الولايات المتحدة حماية طالبي اللجوء من «الإعادة القسرية»، أي الترحيل إلى بلدان يخشون التعرض للاضطهاد فيها.
ومن المفترض أيضاً أن تُمنح للأشخاص المرحلين فرصة الطعن في قرار الترحيل أمام المحكمة. غير أن مسؤولي الهجرة الأميركيين يلقون بهم الآن في بُلدان قد يتعرضون فيها لسوء المعاملة.
وتعد قضية جوناثان مثالاً بارزاً على ذلك، فقد قضى قاضي الهجرة بأنه لا يمكن إرساله إلى وطنه، لكن ذلك لم يمنعه من إرساله إلى مكان آخر، ومن ثم إعادته قسراً.
ممارسات غير قانونية
عدم تسليط الضوء على هذه الممارسات غير القانونية هو سياسة متبعة عملياً. ويعترف الدبلوماسيون بأنهم يمتنعون عن الاستفسار عن أحوال المرحلين.
وفي العام الماضي سأل قاضٍ فيدرالي أميركي وزارة الأمن الداخلي عما إذا كانت ترى أنه من المقبول إرسال شخص إلى بلد ثالث دون إنذار «طالما أنها لا تعلم مسبقاً أن هناك من ينتظره لإطلاق النار عليه». وجاء رد الوزارة: «باختصار، نعم». وأمر القاضي وزارة الأمن الداخلي بإخطار المُرحلين المحتملين والاستماع إلى طعونهم، لكن الوزارة رفضت ذلك.
يقول الجمهوريون إن نظام اللجوء الأميركي قابل للاستغلال، فقد أصدر القضاة أوامر بترحيل نحو 1.4 مليون مهاجر غير شرعي، لكن لا يمكن ترحيلهم لأن بلدانهم الأصلية ترفض استقبالهم.
وفي فترة ما قبل ترامب، كان بإمكانهم توقع العيش بحرية في أميركا، وإن كان ذلك دون مسار للحصول على الجنسية. ويستخدم ترامب التهديد بالترحيل إلى «بلدان ثالثة» للضغط على الحكومات غير المتعاونة لقبول مواطنيها. وإلا فقد ينتهي بهم المطاف في جنوب السودان، كما حدث لعدد من المدانين بارتكاب جرائم في أميركا، والذين لم تقبل بلدانهم الأصلية (كوبا وفيتنام، من بين دول أخرى)، استقبالهم.
مكاسب قليلة
وعلى الرغم من كل الأموال والجهود الدبلوماسية التي بُذلت في تلك الصفقات، لم يتم ترحيل سوى 17 ألف شخص فعلياً إلى «بُلدان ثالثة». وفي المقابل بلغ إجمالي عمليات الترحيل 234 ألفاً خلال الأشهر الستة الماضية، وذهبت الغالبية العظمى منها إلى بُلدانهم الأصلية.
الحقيقة هي أنه لا توجد دولة تريد أن تكون مكاناً لمعالجة أزمة الهجرة في أميركا واستقبال أعداد كبيرة من المرحلين. وقال مسؤول أمني أميركي سابق فَضّل عدم الكشف عن اسمه: «لم يكن أحد مستعداً. لا يوجد الكثير من المكاسب المتبادلة التي يمكنك التعبير عنها». عن «الإيكونومست»
«ترحيل ذاتي»

الهدف وراء سياسات البيت الأبيض، الخاصة بالهجرة، هو دفع المهاجرين إلى «الترحيل الذاتي» وردع الآخرين عن القدوم.
وتشكل هذه المخططات ضربة أخرى لنظام اللجوء، الذي تعرض لضربات قاسية من قِبل إدارة الرئيس دونالد ترامب. فقد زادت معدلات الرفض أكثر من الضعف. وتريد إدارة ترامب أن تنسحب أميركا من الاتفاقية العالمية للاجئين. وتقول المحامية ألما ديفيد: «شبح الترحيل إلى (بلدان ثالثة) يحقق الغرض المرجو منه، وهو إخافة الناس بشدة».
. الاتفاقيات الموقعة تُظهر الدبلوماسية التبادلية لترامب حيث تُحوِّل حتمية الترحيل جميع الدول، حتى التي تصنفها واشنطن استبدادية، إلى شركاء مهمين.
. قضاة أميركيون أصدروا أوامر بترحيل 1.4 مليون مهاجر غير شرعي، لكن لا يمكن ترحيلهم لأن بلدانهم الأصلية ترفض استقبالهم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news