تهديد ترامب بضم غرينلاند وتداعيات حرب أوكرانيا يُعمّقان الخلافات بين أعضائه
التوترات الجيوسياسية تُهدّد استقرار مجلس القطب الشمالي
يبدو أن الأزمات تتوالى على مجلس القطب الشمالي، حيث واجه في الفترة الأخيرة سلسلة من الاضطرابات المتشابكة التي تُهدّد استقراره ودوره.
فمنذ نحو عام تصاعدت التوترات، نتيجة تهديدات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه أوروبا، بما في ذلك طرح فكرة الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي وتتبع للدنمارك.
وقد تزامن ذلك مع تسلم الدنمارك الرئاسة الدورية لهذا المنتدى الحكومي الدولي، الهادف إلى تعزيز التعاون بين ثماني دول مطلة على القطب الشمالي، هي: النرويج وفنلندا والسويد والدنمارك، وكندا وآيسلندا وروسيا والولايات المتحدة.
وزادت تعقيدات المشهد، عندما اضطرت وزيرة خارجية غرينلاند، فيفيان موتزفيلدت، إلى الاستقالة، الشهر الماضي، عقب انسحاب حزبها من الحكومة الائتلافية بسبب خلافات داخلية.
وبخروجها من منصبها، فقدت أيضاً رئاسة مجلس القطب الشمالي، وقد كانت أول سياسية من غرينلاند تتولى هذا الدور، وأسهمت في تنسيق أنشطة المجلس في المنطقة القطبية.
تحديات متزايدة
وعلى الرغم من إعلان المجلس أن وزير الخارجية الجديد لغرينلاند، موتي إيغيدي، سيتولى الرئاسة، فإن عدم تعيين شخصية دائمة حتى الآن ترك المجلس دون قيادة واضحة، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية وخارجية متزايدة.
وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تراجع ترامب عن فكرة استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند، كما تخلى عن فرض رسوم جمركية كان يخطط لها للضغط على أوروبا.
ومع ذلك، لاتزال الحكومة الدنماركية في حالة توتر، حيث أكدت رئيسة الوزراء، ميته فريدريكسن، أن السيادة تمثّل «خطاً أحمر»، وأن أي محاولة لضم غرينلاند قد تؤدي إلى نهاية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وربما يكون مجلس القطب الشمالي أحد التداعيات المباشرة.
منطقة سلام
ويرى أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة ميدلسكس في لندن، كلاوس دودز، أن المجلس سيواصل العمل على أجندة التعاون، لكنه تعرّض بالفعل لضرر كبير.
ويأتي ذلك في وقت يحتفل فيه المجلس بمرور نحو 30 عاماً على تأسيسه عام 1996، عقب نهاية الحرب الباردة، في إطار رؤية لتحويل القطب الشمالي إلى منطقة سلام، وهي رؤية دعمها الزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف.
ويعمل المجلس على قضايا علمية وبيئية دون التطرق المباشر إلى السياسة، مع اعتماد المشاركة الطوعية بين أعضائه.
وتشمل أنشطته مراقبة النظام البيئي، وعمليات البحث والإنقاذ، ومنع التلوث النفطي، وقد نجح في إبرام ثلاث اتفاقيات ملزمة في هذه المجالات.
كما يتميز المجلس بكونه المنتدى الدولي الوحيد الذي يضم ممثلين عن الشعوب الأصلية كشركاء متساوين.
ويُعدّ الحفاظ على القطب الشمالي كمنطقة سلام من أبرز إنجازات المجلس، وقد رُشح ثلاث مرات لنيل جائزة نوبل للسلام في أعوام 2018 و2019 و2022 تقديراً لجهوده في تعزيز السلام والثقة والتعاون في المناطق المتجمدة.
وضع حرج
ومنذ بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022، بات مجلس القطب الشمالي في وضع حرج.
ولهذا افترض العديد من المراقبين لشؤون القطب الشمالي أن المجلس لن يصمد أمام هذه الاضطرابات الجيوسياسية.
وتعرضت فكرة «استثناء القطب الشمالي» التي تفترض بقاء المنطقة بمنأى عن الصراعات العالمية، إلى اهتزاز كبير.
وقام المجلس بتعليق أنشطته مؤقتاً، وزاد الوضع هشاشة كون روسيا ترأست المجلس في وقت حربها مع أوكرانيا.
وعلى الرغم من هذه التحديات، تمكّن المجلس من الصمود بصعوبة، مستفيداً من إدارة النرويج للعلاقات بين روسيا والغرب خلال رئاستها في عام 2023.
ومع استئناف التعاون بشكل محدود في 2024، تم تقليص الأنشطة إلى اجتماعات افتراضية، وتوقفت الجهود الدبلوماسية على مستوى الوزراء.
ويُعدّ هذا التركيز على «إبعاد السياسة» عن المجلس، أحد أسباب صموده.
استمرار الخلافات
لكن مع انتقال الرئاسة إلى الدنمارك، مع تصدّرها المشهد وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية، عاد الاهتمام إلى المجلس.
وأصبح يواجه وضعاً أكثر تعقيداً، خصوصاً مع استمرار الخلافات بين الدول الأعضاء.
وأكد خبير الجغرافيا السياسية، كلاوس دودز، أن سياسات الولايات المتحدة في عهد ترامب وجّهت ضربة قاسية للمجلس.
من جانبه، أشار الرئيس المؤقت لجامعة آلاسكا فيربانكس، مايكل سفراغا، إلى وجود ضغوط كبيرة على المجلس.
ودعا سفراغا الذي عمل في منصب السفير المتجول لشؤون القطب الشمالي في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إلى استمرار دعم المجلس.
بدروه، قال الباحث في معهد «فريدجوف نانسين» النرويجي سفين فيغلاند، الذي ألف كتاباً عام 2019 بعنوان «القطب الشمالي: بين الحماية البيئية والجيوسياسية»، إن المجلس قد يواصل عمله ما لم يتعرض لصراع عسكري مباشر، لكنه حذّر من صعوبة تصور مجلس القطب الشمالي دون الولايات المتحدة.
ولفت فيغلاند إلى تراجع اهتمام الدنمارك وغرينلاند بدور المجلس كمنصة قوية للتعاون، مقارنة بفترة رئاسة النرويج، وهو ما انعكس حتى على احتفالات الذكرى الـ30 التي أقيمت في مدينة ترومسو النرويجية بدلاً من الدنمارك.
قنوات دبلوماسية
وصرح متحدث باسم المجلس لـ«فورين بوليسي»، بأن الدنمارك كانت ملتزمة بضمان أن يستمر التعاون، مؤكداً أن عمل المجلس يمضي قدماً.
وقال: «لا يمتلك مجلس القطب الشمالي صلاحية التطرق إلى المسائل المتعلقة بالمطالبات الإقليمية أو الأمن أو التعليق عليها، ونُدرك أن الوضع الجيوسياسي المتغير الذي شهده القطب الشمالي خلال السنوات القليلة الماضية، قد وضعه في موقف صعب، إلا أن المجلس يتمتع بالمرونة، فالقنوات الدبلوماسية مفتوحة والحوار مستمر».
ومع ذلك يرى بعض المراقبين أن تولي دولتين قطبيتين منخرطتين في نزاعات إقليمية رئاسة مجلس القطب الشمالي خلال أربع سنوات فقط، يشير إلى تحول أوسع في سياسات القطب الشمالي.
وقال الرئيس المؤقت لجامعة آلاسكا فيربانكس: «لقد قضت حرب أوكرانيا على مفهوم الاستثناء القطبي، وهكذا أصبح لدينا واقع القطب الشمالي، ولم يعد القطب الشمالي معزولاً عن هذه القضايا الجيوسياسية الكبرى الأخرى».
وفي حال تراجعت التوترات وانتهت الحرب في أوكرانيا، وتخلت الولايات المتحدة عن مواقفها تجاه غرينلاند، فقد يستعيد المجلس مكانته كمنصة أساسية لتعزيز السلام والاستقرار في القطب الشمالي.
عن «فورين بوليسي»
تحالف أوثق
تساءل مراقبون للوضع في منطقة القطب الشمالي، عما إذا كانت كندا ودول الشمال ستشكل تحالفاً أوثق، لاسيما بعد تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بضم كندا إلى الولايات المتحد لتصبح «الولاية 51».
وقد عزّزت دول الشمال، أخيراً، علاقاتها مع أوتاوا، ففي العام الماضي وقّعت كندا اتفاقية شراكة استراتيجية مع السويد، تركز على الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إضافة إلى اتفاقية تعاون دفاعي مع فنلندا تركز على بناء السفن وكاسحات الجليد.
. في حال تراجعت التوترات وانتهت الحرب في أوكرانيا، وتخلت واشنطن عن مواقفها تجاه غرينلاند، قد يستعيد «المجلس» مكانته.
. «المجلس» يعمل على قضايا علمية من دون التطرق المباشر إلى السياسة، ويضم النرويج وفنلندا والسويد والدنمارك، وكندا وآيسلندا وروسيا وأميركا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news