سفير أميركي سابق دعا سيؤول إلى رسم مستقبلها وفقاً لشروطها الخاصة

العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وصلت إلى نقطة الانهيار

أميركا لديها في كوريا الجنوبية أكبر قاعدة عسكرية خارج البلاد. رويترز

قليلون هم الخبراء الأميركيون الذين يحظون في كوريا الجنوبية باحترام يضاهي احترام السفير الأميركي السابق، جيمس لاني، لدى سيؤول.

وذهب لاني إلى كوريا الجنوبية للمرة الأولى عام 1947، بصفته ضابط استخبارات في الجيش، وعاد إليها عام 1959 كشخص عادي.

وولِدت اثنتان من بناته الثلاث في هذا البلد، الذي كان يتعافى من آثار الحرب الكورية المدمرة.

وبعد أن شغل منصب رئيس جامعة إيموري لمدة 16 عاماً، عمل لاني سفيراً للولايات المتحدة في سيؤول من عام 1993 إلى عام 1997، حيث أدى دوراً مهماً في نزع فتيل الأزمة النووية الكورية الشمالية في عام 1994.

وتضم جامعة يونسي، إحدى أرقى الجامعات في كوريا الجنوبية، جناحاً باسم جيمس لاني، إضافة إلى سلسلة محاضرات باسمه يشارك فيها أبرز الخبراء في العلاقات الأميركية الكورية.

لذلك لم يكن الأمر مجرد خبر عادي عندما قدّم السفير السابق البالغ من العمر 98 عاماً، تقييماً صريحاً للوضع الحالي للتحالف بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الشهر الماضي، وذلك أثناء استلامه جائزة «بناء الجسور» لعام 2026 من معهد «باسيفيك سينشري».

سيطرة واشنطن

وفي حدث عادة ما يكون مملوءاً بالكلمات الرنانة، قدمت ملاحظات لاني المسجلة مسبقاً تحليلاً بارداً ترك الحضور، الذي ضم الرئيس الكوري الجنوبي السابق مون جاي إن، في حالة من الذهول، قائلاً: «لقد حوّلت الولايات المتحدة من جانب واحد الجسر (التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية) إلى جسر متحرك، مع وجود ضوابط فقط على الجانب الأميركي. حتى عندما يكون الجسر منخفضاً، فإن البوابات، أي التعريفات الجمركية، تخضع لسيطرة واشنطن، ويعمل المبنى بأكمله وفقاً لأهواء رئيس الولايات المتحدة».

وأضاف: «يحزنني أن أقول ذلك.. يا إلهي، لم أكن أتصور أبداً أنني سأضطر إلى قول ذلك، لكنني أعتقد أن كوريا يجب أن تبدأ في رسم مستقبلها وفقاً لشروطها الخاصة. وبالطبع، ستفعل ذلك بحكمة وحذر، لكن مصالحها لم تعد تتوافق مع مصالح البيت الأبيض».

وتابع لاني: «ما يعنيه ذلك بالنسبة لقيادة القوات، والقدرة النووية المستقلة، والعلاقات مع الصين، سيتطلب مهارة سياسية وبراعة استثنائية. لقد أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل لا لبس فيه أن الولايات المتحدة لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة».

فقد عبّر لاني عمّا كان يفكر فيه العديد من محللي الشؤون الكورية، لكنهم كانوا يخشون قوله: «التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على وشك الانهيار، وواشنطن هي المذنبة».

وبسبب إجراءات إدارة ترامب، يتعيّن على سيؤول إعادة النظر في الركائز الأساسية للتحالف، بما في ذلك وجود القوات الأميركية في كوريا الجنوبية، والمظلة النووية بدلاً من التسلح النووي الخاص بها، والمشاركة في الردع الأميركي تجاه الصين.

انتهاك صارخ

قد يختلف الكثيرون مع الحل الذي يقترحه لاني، لكن تشخيصه لا يقبل الجدل، فلم يُبدِ ترامب أي اهتمام بقيمة هذا التحالف.

وتُعدّ الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بنسبة 25% على صادرات كوريا الجنوبية انتهاكاً صارخاً لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لعام 2007، وكذلك للمفاوضات التي جرت بين البلدين عام 2025 لتحديد الرسوم الجمركية عند 15%.

واقترن هذا الاتفاق الأخير بتعهد سيؤول باستثمار ما يصل إلى 350 مليار دولار في الصناعات الأميركية، لكن إدارة ترامب لم تستطع حتى قبول هذا العرض المالي السخي كما يجب.

في سبتمبر 2025، شنت سلطات الهجرة الأميركية مداهمة عنيفة على مصنع «هيونداي» الذي كان قيد الإنشاء في ولاية جورجيا، وشاهد الجمهور الكوري الجنوبي بصدمة كيف تم تقييد مئات المهندسين الكوريين الجنوبيين، ومعظمهم يحملون تأشيرات عمل سارية المفعول، على الهواء مباشرة.

وحتى صحيفة «تشوسون إيلبو»، وهي الصحيفة اليومية المحافظة الرائدة في كوريا الجنوبية والتي تتبنى موقفاً مؤيداً للولايات المتحدة بشدة، كتبت في افتتاحية، أن المداهمة كانت «غير مقبولة بين الحلفاء»، وأثارت تساؤلات جوهرية حول ما تعنيه الولايات المتحدة بـ«التحالف».

قد تكون معاملة ترامب هي الضربة القاضية، ودفعت التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية إلى نقطة اللاعودة.

وأعد لاني تصريحاته قبل أن يبدأ ترامب الحرب على إيران، لكن تحذيره أثبت أنه كان تنبؤاً غير عادي.

كُلفة باهظة

لقد فرضت حرب إيران، كُلفة باهظة على كوريا الجنوبية، حيث يمر أكثر من 70% من واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام عبر مضيق هرمز، الذي يخضع الآن للحصار.

ووصل نقص النفط في كوريا الجنوبية إلى درجة خطرة لدرجة أن الحكومة حدت من تشغيل المركبات المملوكة للدولة، وتدرس فرض قيود على قيادة السيارات، وهو إجراء صارم لم يشهده البلد منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1997.

كما تأثرت المنتجات الثانوية للبترول، وبدأت مصافي التكرير في كوريا الجنوبية تغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى، ما أدى إلى نقص حاد في المادة الخام لجميع المنتجات البلاستيكية، بما في ذلك الدهانات والأكياس البلاستيكية.

وينطبق الأمر نفسه على الهيليوم، وهو منتج ثانوي للغاز الطبيعي المسال ومادة أساسية لتصنيع أشباه الموصلات.

وكانت سوق الأسهم في كوريا الجنوبية مرتفعة بفضل شركات أشباه الموصلات الرائدة عالمياً، لكن احتمال عدم وصول نحو 90% من وارداتها من الهيليوم من منطقة الخليج تسبب في انهيار السوق.

ضمانات أمنية

لكن الكُلفة غير الملموسة للحرب قد تكون أصعب. وللمرة الأولى في تاريخها دولةً مستقلةً، تشك كوريا الجنوبية حقاً في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بضماناتها الأمنية، فما الفائدة من تحمل عواقب الانتقام الاقتصادي الصيني من أجل نشر نظام «ثاد» (منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الأميركية)، باسم الحفاظ على التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في حين أن الولايات المتحدة تسحب «ثاد» من جانب واحد إلى ركن آخر من العالم.بالنسبة للعديد من الكوريين الجنوبيين، يبدو أن الخطوة المنطقية هي ما ينصح به لاني: السيطرة الكاملة على الجيش الكوري الجنوبي، الذي تتمتع الولايات المتحدة حالياً بالسيطرة العملياتية المشتركة عليه في أوقات الحرب، وتطوير أسلحة نووية، والسعي إلى علاقات أفضل مع الصين مع تخفيض مستوى التحالف مع الولايات المتحدة إلى علاقة تجارية.

من وجهة نظر الولايات المتحدة، لا يوجد وقت مناسب لإضعاف التحالف، لكن هذا الوقت لا يمكن أن يكون أسوأ.

وفي عالم تكون فيه الصين هي المنافس الجيوسياسي الأول للولايات المتحدة، قد تكون كوريا الجنوبية الحليف الأكثر أهمية للولايات المتحدة.

ويُعدّ معسكر «همفريز» في بيونغتايك، بكوريا الجنوبية، أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الخارج، والأقرب إلى الصين القارية. عن «فورين بوليسي»


التراجع عن المسار الحالي

منذ فترة طويلة، افترضت واشنطن أن سيؤول لا تستطيع تحمل كُلفة الانسحاب من تحالفهما، وكان ينبغي عليها أن تتساءل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تحمل كُلفة عدم وجود كوريا الجنوبية كحليف لها.

الانفصال بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ليس أمراً مفروغاً منه، لكن لمنع هذا المستقبل غير المرغوب فيه، يجب على واشنطن أن تبدأ في التراجع الكامل عن مسارها الحالي المتمثّل في فرض عقوبات اقتصادية على الحلفاء، والعمليات العسكرية التي تعطل سلاسل التوريد العالمية.

ويجب أن يأتي هذا التراجع الكامل من جميع مكونات الحكومة الأميركية، حيث يجب على الكونغرس ممارسة رقابته، كما يجب على القضاء الاستمرار في إعلان عدم قانونية التعريفات الجمركية الأُحادية الجانب التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

. للمرة الأولى في تاريخها دولةً مستقلةً، تشك كوريا الجنوبية في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بضماناتها الأمنية.

تويتر