تُنذر بخطر حقيقي يهدد النظام البيئي بالولاية الأميركية

موجة حر بحرية غير مسبوقة في كاليفورنيا تثير قلق العلماء

مياه جنوب كاليفورنيا تشهد ارتفاعاً دورياً في درجات الحرارة نتيجة ظاهرة «النينيو». أرشيفية 

منذ نحو قرن من الزمن، تواصل محطات رصد درجات الحرارة الساحلية، التابعة لمعهد «سكريبس» لعلوم المحيطات في أميركا، مراقبة حرارة المياه على امتداد سواحل ولاية كاليفورنيا.

وشكّلت البيانات، التي يصدرها المعهد، سجلاً علمياً مهماً لفهم التغيّرات المناخية والبحرية عبر العقود، إلا أن المؤشرات التي سجّلتها محطات الرصد، منذ بداية العام الجاري، تثير القلق بشكل غير مسبوق، حيث بدأت تُنذر بوجود خطر حقيقي، يهدد النظام البيئي البحري في المنطقة، فخلال الأشهر الثلاثة الماضية سجّلت محطات عدة، ارتفاعات قياسية في درجات حرارة المياه، وتكررت هذه الأرقام بشكل شبه يومي.

وعلى سبيل المثال، أظهرت محطة «لا جولا»، في إحدى فترات الشهر الماضي، ارتفاعاً في درجة حرارة المياه تجاوز المتوسط التاريخي بـ10 درجات فهرنهايت، وهو فارق كبير يعكس اختلالاً واضحاً في النظام البيئي البحري.

وعادة ما تشهد مياه جنوب كاليفورنيا ارتفاعاً دورياً في درجات الحرارة كل بضع سنوات نتيجة تحرك التيارات البحرية الاستوائية نحو الشمال، وهي الظاهرة المعروفة باسم «النينيو». غير أن موجة الحر البحرية الحالية، التي بدأت منذ الخريف الماضي، لا ترتبط بهذه الظاهرة التقليدية، بل تعود إلى نظام جوي ذي ضغط مرتفع استقر فوق المنطقة.

وأدى هذا النظام، الذي يشبه إلى حد كبير فترات الطقس الهادئ والمشمس، إلى ارتفاع غير مسبوق في درجات حرارة الهواء والمياه معاً، كما أسهم في موجة حر شديدة ضربت كاليفورنيا.

ظاهرة «البلوب»

ويشير العلماء إلى وجود تشابه واضح بين الظاهرة الحالية وظاهرة سابقة عُرفت باسم «البلوب»، وهي موجة حر بحرية استمرت ثلاث سنوات قبل نحو عقد من الزمن، وكانت ناجمة أيضاً عن ظروف ضغط جوي مرتفع مشابهة، وتسببت تلك الظاهرة في أضرار جسيمة للحياة البحرية، ما يجعل العلماء يراقبون الوضع الحالي بحذر شديد.

ويرى العلماء أن الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير هذه الموجة الحارة، سواء في حال كونها ستتراجع تدريجياً أو ستتطوّر لتصبح ظاهرة طويلة الأمد شبيهة بـ«البلوب».

وفي هذا السياق، قال عالم المحيطات، أندرو ليسينغ، من الإدارة الوطنية للمحيطات والمناخ، إن القلق الأكبر يتمحور حول كيفية تطور الأوضاع خلال هذا العام، محذراً من احتمال حدوث تأثيرات أكثر حدة في فصلَي الخريف والشتاء المقبلين، خصوصاً إذا استمرت درجات الحرارة المرتفعة، وتزامنت مع ظاهرة «النينيو» القوية.

«التيارات الصاعدة»

ومن المعروف أن فصل الربيع عادة يشهد تغيّرات في الظروف الجوية تؤدي إلى هبوب رياح شمالية غربية تدفع المياه السطحية الدافئة بعيداً نحو المحيط المفتوح، ما يسمح بصعود المياه الباردة من الأعماق إلى السطح.

وتُعرف هذه العملية باسم «التيارات الصاعدة»، وهي ظاهرة حيوية تسهم في نقل المغذيات من الأعماق إلى السطح، ما يدعم نمو العوالق النباتية التي تُشكّل أساس السلسلة الغذائية البحرية في كاليفورنيا.

وخلال الأيام القليلة الماضية، لوحظ انخفاض طفيف في درجات حرارة المياه المرتفعة، وهو ما قد يشير إلى بداية انحسار موجة الحر. ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الأمر لايزال بحاجة إلى مزيد من الوقت والمراقبة، للتأكد من هذا الاتجاه.

ووفقاً للعالم ليسينغ، فإن التوقعات الحالية تشير إلى احتمال بدء انخفاض تدريجي في درجات حرارة المياه خلال الشهر المقبل، لكن هذا السيناريو لايزال غير مؤكد، حيث يبقى التسلسل الزمني للأحداث وتطورها عاملاً حاسماً في تحديد النتيجة النهائية.

تأثيرات سلبية

وتؤدي موجات الحر البحرية الممتدة إلى تأثيرات سلبية كبيرة في النظام البيئي، حيث تتضرر العوالق النباتية، وقد تزدهر أنواع ضارة من الطحالب.

وتنعكس هذه التغيّرات على مختلف الكائنات البحرية، بما في ذلك أسود البحر والدلافين والطيور الساحلية وحتى بعض أنواع الأسماك، مثل الهلبوت.

وقالت الباحثة ميليسا كارتر، من معهد «سكريبس»، إن ارتفاع درجة حرارة المحيط في السنوات الأخيرة، أدى إلى أحد أسوأ مواسم صيد سرطان البحر «دانجينيس» في التاريخ الحديث.

وتزداد وتيرة هذه الموجات الحرارية البحرية وتطول مدتها، وهو ما يعزوه العلماء جزئياً إلى الاحترار التدريجي للمحيطات نتيجة أزمة المناخ العالمية، إضافة إلى تغيّرات جوية معقدة لاتزال قيد الدراسة.

وتسعى الأبحاث الحالية إلى فهم الأسباب الكامنة وراء هذه الظواهر المتطرفة، والعوامل التي تدفع إلى حدوثها.

وتحذّر كارتر بشكل خاص من أنظمة الضغط الجوي المرتفع التي يمكن أن توجد حلقة مفرغة تُعزّز من الظروف الدافئة والهادئة، ما يقلل من فرص حدوث ظاهرة التيارات الصاعدة. وإذا أصبحت هذه الأنظمة أكثر قوة واستمرارية، وتكررت بشكل سنوي، فقد يؤدي ذلك إلى تعطيل هذه الظاهرة الحيوية بشكل كبير، وهو ما ستكون له تداعيات خطرة على النظام البيئي البحري. عن «الغارديان»


تأثر إيجابي محدود

قالت الباحثة، ميليسا كارتر، من معهد «سكريبس»، لعلوم المحيطات في أميركا، إن لارتفاع حرارة المياه بعض الآثار الإيجابية المحدودة، مثل اقتراب أسماك التونة من السواحل، ما يُسهّل صيدها، فضلاً عن استمتاع السباحين وراكبي الأمواج بالمياه الدافئة خلال فصل الشتاء، إلا أن هذه الفوائد تظل ضئيلة مقارنة بالخسائر البيئية المحتملة.

لكن كارتر عبّرت في المقابل عن قلقها، وقالت: «المحيط لا ينبغي أن يتحول إلى ما يشبه بركة سباحة دافئة، لأن ذلك لا يوفر بيئة مناسبة للحياة البحرية.. الحفاظ على توازن النظام البيئي هو الهدف الأساسي الذي يجب السعي إليه».

علماء:

. الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الموجة الحارة، سواء كانت ستتراجع تدريجياً أم ستتطوّر لتصبح ظاهرة طويلة الأمد.

تويتر