روسيا تشهد «معركة على الأرحام».. وموسكو تحيل اللاتي لا يرغبن في الإنجاب إلى اختصاصيين نفسيين
بوتين يعتبر زيادة معدلات المواليد «المهمة الأكثر إلحاحاً»
بوتين يرى أن زيادة معدلات المواليد أمر يتعلق بوجود روسيا. إي.بي.إيه
تسعى وزارة الصحة الروسية مستقبلاً إلى إحالة النساء اللاتي لا يرغبن في إنجاب أطفال، إلى اختصاصيين نفسيين، ما أثار انتقادات حادة حتى داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للكرملين. وبالفعل، تتعرض النساء في روسيا حالياً لضغوط هائلة لإنجاب الأطفال، ولكن في ظل انخفاض معدلات المواليد، تزداد «المعركة على الأرحام» استماتة في أكبر دولة في العالم من حيث المساحة.
ووفقاً للتوجهات الجديدة، إذا أجابت النساء أثناء الفحوص الوقائية المتعلقة بالصحة الإنجابية عن سؤال الطبيب حول عدد الأطفال الذين يرغبن في إنجابهم بالنظر إلى ظروف حياتهن الحالية بـ: «لا أريد إنجاباً»، فسيتم تقديم «المساعدة» لهن من قبل طبيب نفسي.
وتوضح الوزارة أن الهدف من هذا الإجراء هو منع عمليات الإجهاض، وتعزيز «النظرة الإيجابية» تجاه الأمومة. ولكن هذا هو بالضبط سبب اشتعال شرارة الجدل الآن، حيث يحذر الخبراء من انتهاك الحقوق الشخصية للمرأة، والتدخل في الخصوصية الفردية.
وحتى داخل «مجلس حقوق الإنسان» التابع للرئاسة الروسية، فقد بدأت تظهر بوادر الاعتراض، حيث انتقدت عضو المجلس، الطبيبة أولغا ديميتشيفا، هذه الخطوة قائلة إنها بمنزلة «إجبار على الإنجاب». وقالت: «لا يمكنني وصف هذه المبادرة بغير ذلك؛ فهي تحول المرأة من شخصية حرة إلى مجرد أداة لتحسين الوضع الديموغرافي».
الشيء المؤكد هو أن روسيا، كحال دول صناعية عدة، ليس لديها معدلات مواليد كافية للحفاظ على استقرار عدد سكانها. وكان معدل المواليد بلغ في روسيا في العام الماضي 1.37 طفل لكل امرأة، وهو معدل أفضل قليلاً من المعدل الذي سجلته دولة مثل ألمانيا، والذي بلغ في متوسطه 1.3 طفل لكل امرأة. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن الأمر يتطلب وصول هذا المعدل في روسيا إلى ما لا يقل عن 2.1 طفل لكل امرأة، حتى تتمكن البلاد من الحفاظ على استقرار التطور الديموغرافي.
من جانبها، قالت المديرة التنفيذية لمعهد برلين للسكان والتنمية، الخبيرة كاترينا هينتس، إن الرغبة في إنجاب الأطفال آخذة في التراجع بشكل عام، ورأت أن من الأفضل تقديم حوافز للأشخاص الذين يرغبون في الإنجاب بدلاً من معاقبة الذين لا يريدونه. وأضافت هينتس تعليقاً على مبادرة وزارة الصحة الروسية أنها ترقى إلى مستوى «الحجر على الإرادة».
ودأب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على وصف زيادة معدلات المواليد في بلاده بأنها «المهمة الأكثر إلحاحاً»، مشدداً على أن الأمر يتعلق بوجود روسيا، ومطالباً مسؤوليه - باستمرار - بتقديم مقترحات جديدة في هذا الصدد. وقد أصبحت قائمة الإجراءات طويلة بالفعل؛ حيث تُمنح طالبات المدارس في بعض الأحيان مكافآت مالية إذا قررن إكمال حملهن حتى الولادة.
وغالباً ما تجد النساء أنفسهن تحت ضغط للحمل في وقت مبكر قدر الإمكان، للاستفادة بشكل كامل من فترة الخصوبة لديهن. وفي هذا السياق، صرح وزير الصحة الروسي ميخائيل موراشكو بأنه ينبغي للنساء ألّا يصرفن تركيزهن بالدرجة الأولى على التعليم والوظيفة، بل على الإنجاب، وقال: «يجب على المرأة أن تفهم أنه كلما أنجبت في سن مبكرة، كان ذلك أفضل».
من جانبه، ينتقد باحث السكان الروسي المستقل أليكسي راكشا، هيمنة الصبغة الإيديولوجية على النقاش الدائر في روسيا حول المواليد، متهماً البيروقراطيين بـ«العجز التام». ويقول هذا العالِم لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) في موسكو، إن البيروقراطيين «لا يستمعون إلى نصائح الخبراء».
ويرى راكشا أن صرف مكافآت للحمل، مثل تلك المخصصة للطالبات غير فعالة، لافتاً إلى أن روسيا بها حالياً الكثير من الأسر التي لديها ثلاثة أو أربعة أطفال، لكنه قال إن هذا لا يكفي؛ ولفت إلى أنه يجب ضخ المزيد من الأموال بشكل جدي لرفع معدل المواليد بشكل متواصل.
كما يعد الإجهاض موضوعاً ساخناً للنقاش المجتمعي، فعمليات الإجهاض لا تزال مسموحاً بها في روسيا من الناحية الرسمية. ورغم ذلك، فإن إمكانية إجراء مثل هذه العمليات أصبحت شديدة الصعوبة أو شبه مستحيلة في الواقع العملي، وذلك تبعاً للمنطقة ونوع العيادة.
وتأتي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في طليعة الهيئات التي تستخدم نفوذها لتعزيز المشاعر المناهضة للإجهاض. فحتى في أوقات الحرب، مثل الحرب الحالية مع أوكرانيا والتي تتسبب في تكبد البلاد خسائر بشرية فادحة، تنتشر ملصقات دعائية تُذَكِّر المواطنين بأن روسيا بحاجة إلى أجيال جديدة.
«الأم البطلة»
تعتمد قيادة روسيا بشكل أساسي على الدعاية؛ حيث دُعي قطاع الإعلانات في روسيا إلى أن تُظْهِر المقاطع الدعائية عائلات سعيدة لأن لديها العديد من الأطفال. كما يتم تكريم الأمهات اللاتي لديهن 10 أطفال أو أكثر بشكل خاص، حيث يُمنحن لقب «الأم البطلة» مصحوباً بوسام. وفي المقابل، يُحظر التحدث علناً عن عدم الرغبة الإرادية في الإنجاب، إذ يُعاقب على ذلك باعتباره ترويجاً لما يسمى بحركة «تشايلد فري» (بلا أطفال).
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news