برلين تعيد تسليح جيشها.. ومخاوف من وصول «حزب البديل» المتطرف إلى السلطة
الإنفاق العسكري الألماني يُقلق «أوروبيين» ويُطمئن آخرين
برلين منحت نفسها هامشاً للإنفاق على الأسلحة لا يتمتع به أي شريك أوروبي آخر. رويترز
تشهد ألمانيا تحولاً جديداً، إذ غيّرت الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، رئيساً قبل عام، كل شيء.
وقد شرع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي يقود ائتلافاً مع الاشتراكيين الديمقراطيين، في جعل الجيش الفيدرالي أقوى قوات مسلحة تقليدية (غير نووية) في أوروبا. لكن، وكما هي الحال دائماً عندما تتجه ألمانيا نحو «العسكرة»، تثار تساؤلات: هل تعود أشباح الماضي؟ أم أن من دواعي التفاؤل أن ألمانيا تأخذ دفاعها على محمل الجد أخيراً؟
وهنا، تراوح الردود بين من يحتفلون، ويعتقدون أن أكبر اقتصاد في أوروبا بدأ يتحمل مسؤولياته في مواجهة التهديد الروسي والعداء الأميركي، وهو بالنتيجة مكسب للاتحاد الأوروبي بأكمله؛ وبين أولئك الذين يشعرون بقلق من أن زيادة الإنفاق الدفاعي ستخلق خللاً في التوازن بين الدول الأعضاء الـ27 في أوروبا، وستؤدي، على المدى البعيد، إلى توترات.
كما أن هناك سيناريو آخر، أكثر افتراضية، ومثير للقلق بالنسبة لكثيرين، وفحواه: أن يصل «حزب البديل من أجل ألمانيا»، اليميني المتطرف إلى السلطة، وتقع هذا الترسانة الهائلة في يديه.
ألمانيا.. و«الناتو»
يقول نائب وزير الدفاع النائب البرلماني عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، نيلس شميد: «ما يسود في أوروبا حالياً، بين شركائنا، هو الأمل في أن تقوم ألمانيا بواجبها». ويستشهد بتصريح أدلى به وزير الخارجية البولندي الحالي، رادوسلاف سيكورسكي، في عام 2011، خلال الأزمة المالية عندما قال: «أخشى تقاعس ألمانيا أقل مما أخشى قوتها».
ويقول شميد لصحيفة «إل باييس»: «هذا لايزال صحيحاً». ويضيف: «بما أن القوات الألمانية مندمجة بالكامل في القيادة المشتركة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن الجنود الألمان ملتزمون تماماً بمهام الحلف، فلا يوجد خطر من أن تتصرف ألمانيا بشكل مستقل».
من جهتها، قالت المؤرخة المنتسبة لمركز أبحاث مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ليانا فيكس، في مقابلة هاتفية: «إعادة التسلح الألماني أمر ضروري لأوروبا»، لكن السؤال الأصعب هو كيفية إنفاق الأموال، بعد أن أصبحت متاحة الآن، وكيفية التخفيف من اختلال توازن القوى الذي قد يخلقه الإنفاق الدفاعي الألماني مع الدول الأخرى التي لا تستطيع مجاراته.
وأطلقت فيكس النقاش في الأوساط السياسية والأكاديمية من خلال نشر مقال في مجلة «فورين أفيرز» عنوانه: «القوة المهيمنة المقبلة في أوروبا: مخاطر القوة الألمانية». وتستشهد في ذلك المقال، من بين سوابق أخرى، بحالة إعادة توحيد ألمانيا، ففي ذلك الوقت، عارضت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر هذه الخطوة، اعتقاداً منها بأن ألمانيا الموحدة ستشكل تهديداً للأمن الأوروبي. كما كان الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران يراوده القلق. وكان رد المستشار الألماني هيلموت كول آنذاك هو التخلي عن «المارك» الألماني لمصلحة العملة الموحدة: «اليورو» المستقبلي.
قد يكون الرد المحتمل الآن هو الاقتراض المشترك للإنفاق الدفاعي، وهو ما ترفضه برلين، أو بشكل أكثر طموحاً وغير مرجح في الوقت الحالي: إنشاء جيش أوروبي، وهو ما تروج له إسبانيا.
ميزانية عسكرية
إن حجم عملية إعادة التسلح التي تشهدها ألمانيا، كما أوضحت فيكس بالتفصيل في مقالتها، مذهل. ففي عام 2025، أنفقت ألمانيا على الدفاع أكثر من أي دولة أخرى، من حيث القيمة المُطلقة. وتعد ميزانيتها العسكرية رابع أكبر ميزانية في العالم.
وبحلول عام 2029، ستتجاوز هذه الميزانية 150 مليار يورو سنوياً، أي ثلاثة أضعاف المبلغ الذي تم إنفاقه عام 2002. وهي تستعد الآن لإعادة العمل بالتجنيد، الذي سيكون طوعياً في البداية. وتخلص الخبيرة إلى أنه «إذا استمرت البلاد على هذا المسار، فستصبح مرة أخرى قوة عسكرية كبرى قبل عام 2030».
صحيح أن هذه الأرقام توجد في سياق معين، وهذا السياق بعيد كل البعد عن المثالية. ومع ركود الاقتصاد لسنوات، وأزمة صناعية متفشية بسبب المنافسة من الصين، وشبح نهاية الازدهار الذي يلوح في الأفق، فإن من الصعب تخيل أن تصبح ألمانيا قوة مهيمنة حقيقية، ولكن التحول جارٍ.
صناعة السيارات مثلاً، والتي تعاني أزمة، تعيد تدوير المصانع. وفي منطقة صناعية شمال برلين، بالقرب من الموقع السابق لجدار برلين، يجري تجهيز مصنع سابق لقطع غيار سيارات لتصنيع مكونات ذخيرة المدفعية. ويمكنك أن تقرأ على الجدران الخارجية عبارة: «راين ميتال أوت»، في إشارة إلى الشركة المالكة، وهي قوة صناعية مهيمنة حقيقية.
بإلغاء الحد الدستوري الديون قبل عام، منحت برلين نفسها هامشاً للإنفاق على الأسلحة لا يتمتع به أي شريك أوروبي آخر. ويشكل هذا نقطة تحول في أوروبا، حيث كانت فرنسا القوة العسكرية، وألمانيا القوة الاقتصادية. وقد اختل هذا التوازن، رغم أن باريس لاتزال تمتلك ورقة رابحة قوية، هي: القنبلة الذرية، فهي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلكها.
قوة عظمى
يوضح رئيس قسم العلاقات الفرنسية الألمانية في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، بول موريس، قائلاً: «من حيث تجنيد الأفراد، ألمانيا بعيدة كل البعد عن امتلاك أكبر جيش في أوروبا». لكنه يضيف: «من الناحية المالية، نعم.. الموارد المخصصة للدفاع ستسمح لها بشراء معدات لا يمكن لأي دولة أوروبية أخرى شراؤها. وما يثير القلق إلى حد ما هو أنها تتحول إلى هذه القوة العظمى، في حين لا تفعل الدول الأخرى، خصوصاً فرنسا، بسبب مشكلاتها المالية».
ويتساءل موريس: «كيف ستُستخدم الـ150 مليار يورو الألمانية؟ هل لصناعة الدفاع الألمانية؟ أم جزئياً لصناعة الدفاع الأميركية؟».
خبر سار.. ومخاوف
وفي بولندا، الشريك الأوروبي الذي ينفق أكثر من غيره على الدفاع نسبياً، حيث تقترب نفقاته بالفعل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي، يرى المؤيدون لأوروبا أن إعادة تسليح ألمانيا يمثل خبراً ساراً لأوروبا التي تتعرض لتهديد من روسيا. أما اليمين القومي، من ناحية أخرى، فيثير المخاوف التاريخية من النزعة العسكرية الألمانية.
ويعلق المؤرخ باول ماتشفيتش هنا قائلاً: «إنه أمر متناقض، لأنهم يتهمون ألمانيا بأنها موالية لروسيا، وفي الوقت نفسه، عندما تبني ألمانيا جيشاً قوياً، يقولون إنها محاولة ألمانية للسيطرة على أوروبا». ويضيف: «ما يقلقني، بصفتي مؤرخاً وبولندياً، هو (حزب البديل من أجل ألمانيا)، الذي إذا وصل إلى السلطة، أو دخل في حكومة ائتلافية، فماذا سيعني ذلك بالنسبة لاتجاه ألمانيا؟ وبالنسبة للجيش الألماني؟».
عن «إل بابيس»
هواجس التاريخ

يقول نائب وزير الدفاع النائب البرلماني عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، نيلس شميد: «كما هي الحال في دول أوروبية أخرى، فإن هناك خطراً من اليمين المتطرف هنا.. لكن خفض الإنفاق العسكري في ألمانيا لوجود حكومة يقودها اليمين المتطرف، لن يكون مقنعاً للغاية. وسيكون ذلك بمنزلة مخاطبة الألمان: لا تفعلوا شيئاً».
لكن الألمان يفعلون شيئاً، وهذا يجبر بقية العالم على إعادة تقييم العلاقة. ويتابع شميد: «أعتقد أنه حان الوقت لشركائنا الأوروبيين ليدرسوا ما إذا كانت هواجس التاريخ القديمة هي التي تحدد نظرتهم إلى ألمانيا، أم أن تجربة العقود القليلة الماضية هي التي تحددها، والتي أظهرت أن ألمانيا ديمقراطية مستقرة، وبلد يتطلع إلى أوروبا».
. بعض الأوروبيين يرى في «ألمانيا قوية» خطوة لمواجهة التهديد الروسي والعداء الأميركي، وهي بالنتيجة مكسب للاتحاد الأوروبي بأكمله.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news