خلافات التمويل والأولويات الاستراتيجية تُعرقل «المشروع»

شكوك يابانية حول التزام بريطانيا ببرنامج مشترك مع إيطاليا لتطوير طائرات مقاتلة

تطمينات ستارمر لنظيرته اليابانية بشأن البرنامج لم تقنع الجانب الياباني. رويترز

تتزايد الشكوك في اليابان حول مدى التزام المملكة المتحدة بالمضي قدماً في برنامجها المشترك لتطوير طائرات مقاتلة متقدمة بالتعاون مع إيطاليا، في ظل تعثر ملحوظ في سير العمل، نتيجة تباطؤ بريطاني مرتبط بضغوط مالية ومشكلات في الميزانية.

ويُعدّ برنامج الطائرات المقاتلة الدولي (جي سي إيه بي) مبادرة استراتيجية طموحة، تهدف إلى تطوير جيل جديد من المقاتلات المتقدمة بحلول عام 2035، من خلال شراكة تجمع بين اليابان وبريطانيا وإيطاليا، حيث تسعى الدول الثلاث من خلال هذا المشروع إلى تقليل الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة، التي لاتزال تتصدر مجال تصنيع الطائرات العسكرية الأكثر تطوراً في العالم.

غير أن سلسلة من التأخيرات المرتبطة بخطة الاستثمار الدفاعي البريطانية أعاقت توقيع عقد أساسي يتعلق بأعمال التصميم والتطوير مع شركة «إيدجوينغ»، وهي الكيان الصناعي المشترك الذي يُمثّل كبرى شركات الدفاع في الدول المشاركة، وأدى هذا التعطيل إلى إبطاء تقدم المشروع بشكل ملحوظ.

ووصف أحد المشاركين في البرنامج الوضع الحالي بأنه «كارثي»، مشيراً إلى أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها المملكة المتحدة تؤثر بشكل مباشر في سير العمل، كما أقر مشارك آخر بوجود حالة من «الإحباط المتزايد» لدى الجانب الياباني، بسبب التأخيرات المتكررة التي تُعزى إلى الظروف الاقتصادية البريطانية.

أولويات استراتيجية

ولا تقتصر الخلافات على الجانب المالي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى اختلاف في الأولويات الاستراتيجية بين الدول المشاركة، فبينما تركز اليابان على تطوير مقاتلة متقدمة جديدة خلال منتصف العقد المقبل، تميل كلٌّ من بريطانيا وإيطاليا إلى تبني مفهوم أوسع يتمثّل في إنشاء «نظام متكامل من الأنظمة»، يتضمن طائرة قادرة على إدارة وتشغيل أسراب من الطائرات المسيّرة بشكل منسق من دون الالتزام بجدول زمني دقيق.

ويرى بعض العاملين في البرنامج أن هذا التباين في الرؤى قد يدفع المملكة المتحدة إلى إبطاء وتيرة المشروع، بهدف توزيع الكُلفة على فترة زمنية أطول، بما يتناسب مع وضعها المالي الحالي.

ويأتي هذا التوتر في وقت يشهد فيه العالم تزايداً في المخاوف الأمنية، خصوصاً في ظل الصراعات بالشرق الأوسط، إلى جانب السياسات الأميركية غير المتوقعة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي دعت حلفاءها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية.

هدف أساسي

وكان الهدف الأساسي من برنامج «جي سي إيه بي»، تطوير مقاتلات حديثة تقلل من الاعتماد على طائرات «إف-35» الأميركية الأكثر تطوراً، والتي تُشكّل العمود الفقري للقوة الجوية لدول «الناتو».

وعلى صعيد التمويل، كانت المملكة المتحدة تخطط في الأصل لإصدار خطة استثمار دفاعي تمتد لـ10 سنوات في خريف عام 2025، إلا أن الإعلان عنها تأجل مرات عدة، بسبب قيود مالية، مع وجود فجوة تمويلية تقدر بنحو 28 مليار جنيه إسترليني على مدى عقد كامل، وفقاً لمسؤولين مطلعين على الخطة.

وفي المقابل، رفعت إيطاليا تقديراتها لكُلفة مشاركتها في مرحلة التصميم والتطوير إلى 18.6 مليار يورو، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف التقديرات السابقة، كما وافقت أخيراً على تخصيص 8.8 مليارات يورو دفعةً أولى لدعم البرنامج. أما اليابان، فقد أعربت على المستوى الوزاري عن قلقها المتزايد إزاء التأخيرات البريطانية، لاسيما في ما يتعلق بمدى التزام لندن بتوفير التمويل اللازم للمشروع.

ورغم محاولات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، طمأنة نظيرته اليابانية ساناي تاكايتشي خلال زيارة رسمية لطوكيو هذا العام، فإن تلك التطمينات لم تقنع الجانب الياباني، خصوصاً في ظل غياب خطوات ملموسة بشأن التمويل.

وكان من المتوقع أن يتم توقيع العقد الدولي الرئيس للمشروع قبل نحو ستة أشهر، وهو ما كان سيسمح بإطلاق مرحلة جديدة من التمويل تقدر بمليارات الجنيهات الإسترلينية لمصلحة شركة «إيدجوينغ»، إلا أن هذا التوقيع تأجل مراراً نتيجة التأخير في إعلان خطة الاستثمار الدفاعي البريطانية.

مخاوف تمويلية

وحالياً، تواصل الشركات الرئيسة المشاركة في البرنامج، وهي «بي إيه إي سيستمز» البريطانية، و«ليوناردو» الإيطالية، و«ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» اليابانية، العمل على الجوانب الهندسية والتصميمية باستخدام التمويل الوطني المتاح، إلا أن هناك مخاوف من احتمال نفاد التمويل البريطاني خلال الأسابيع المقبلة، بحسب مصدرين مطلعين على البرنامج. وفي محاولة للتخفيف من الضغوط المالية، أبدت طوكيو مرونة أكبر تجاه فكرة إبرام اتفاقات مع دول محتملة لشراء الطائرة مستقبلاً، بهدف تقليل العبء المالي على الشركاء، وتُعدّ كندا من أبرز المرشحين في هذا الإطار.

ورغم ذلك، فإن اليابان لاتزال متحفظة بشأن إشراك شركاء جدد في مراحل التصميم والتطوير، نظراً إلى ما قد يسببه ذلك من تعقيدات إضافية. عن «فاينانشال تايمز»


خطة استثمار دفاعي

أكّد وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، أمام البرلمان، التزام حكومته بالحفاظ على زخم برنامج «جي سي إيه بي»، مشيراً إلى أن العمل جارٍ لوضع خطة الاستثمار الدفاعي، من دون تحديد موعد واضح لإعلانها.

وفي وقت سابق، شددت وزارة الدفاع البريطانية على عمق التعاون بين الدول الثلاث المشاركة في البرنامج (بريطانيا وإيطاليا واليابان)، مستشهدة بافتتاح المقر الرئيس المشترك للبرنامج في مدينة ريدينغ، وإطلاق الكيان الصناعي المشترك لتنفيذ المشروع.

. الهدف الأساسي من برنامج «جي سي إيه بي»، تطوير مقاتلات حديثة تقلل من الاعتماد على طائرات «إف - 35» الأميركية.

تويتر