بعد أن فكرت موسكو في خفض الإنفاق ورفع الضرائب بسبب الضغوط المالية

ارتفاع أسعار النفط يمنح روسيا «شريان حياة» قد لا يستمر طويلاً

ميزانية «المالية» الروسية لعام 2026 افترضت أن سعر برميل النفط من منطقة أورال سيبلغ 59 دولاراً. رويترز

دخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العام الجديد، وهو يواجه خياراً صعباً، إما الحد من ما يسمى بعمليته العسكرية الخاصة في أوكرانيا، أو المخاطرة بإلحاق أضرار جسيمة باقتصاد بلاده.

وبين عشية وضحاها، قدّم له الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحل، فقد أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ما عزّز المصدر الرئيس لإيرادات الكرملين، وجعل من السهل على موسكو مواصلة جهودها الحربية.

وبعد قصف إسرائيل لمنشآت النفط الإيرانية، ارتفعت أسعار النفط الخام القياسية إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل، مسجلة أعلى مستوى لها منذ صيف 2022، عندما ارتفعت الأسعار بشكل حاد عقب حرب روسيا على أوكرانيا.

وبالنسبة لروسيا، يُمثّل ارتفاع أسعار النفط مكسباً اقتصادياً غير متوقع في لحظة حاسمة، حيث هدّدت كلفة أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا بالتسبب في أزمة اقتصادية داخلية. وقد يُقوض الهجوم على إيران ادعاء موسكو بالوقوف إلى جانب حلفائها، لكنه يعود بالفعل بالفائدة على الاقتصاد الروسي، وبالتالي على حربها ضد أوكرانيا، ما يضع الكرملين في وضع جيد ليكون أحد المستفيدين الرئيسين من الصراع المتوسع في الشرق الأوسط.

تحول اقتصادي

وقبل بضعة أسابيع فقط، كان المزاج السائد بين النخبة الاقتصادية الروسية قاتماً، حيث افترضت خطة ميزانية وزارة المالية الروسية لهذا العام أن سعر برميل النفط الخام من منطقة أورال، وهو المزيج الرئيس الذي تصدّره البلاد، سيبلغ 59 دولاراً. لكن في يناير انخفضت عائدات الطاقة إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2020، ما زاد حجم الضرائب المخيبة للآمال.

ومع تفاقم الضغوط على الاقتصاد الروسي بسبب العقوبات الغربية وارتفاع أسعار الفائدة ونقص العمالة، أصبحت التوترات بين وزارة المالية والبنك المركزي حول كيفية التخفيف من الأضرار أكثر وضوحاً.

وفي هذا السياق، قال زميل مركز «كارنيغي روسيا أوراسيا»، سيرجي فاكولينكو: «لم يكن الأمر قريباً من الانهيار، لكن الحكومة كانت تواجه خيارات صعبة، منها اضطرارها إلى خفض الإنفاق ورفع الضرائب، وحتى التفكير في بعض التخفيضات في الإنفاق العسكري».

وأضاف فاكولينكو أن «وقف الحرب في أوكرانيا لم يكن مطروحاً على الطاولة أبداً، لكن أصبح من الواضح أنه حتى على هذا الصعيد، سيتعين على روسيا التقشف قليلاً».

ثم هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، ومع رد طهران وامتداد الصراع إلى حرب إقليمية، توقف الشحن عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

من جهته، قال نائب وزير الطاقة الروسي السابق، فلاديمير ميلوف، الذي تحول إلى ناقد للكرملين في المنفى: «فجأة، تلقت موسكو هذه الهدية.. لقد حصلت على شريان حياتها»، مشيراً إلى أن المسؤولين الروس «سعداء جداً هذه الأيام».

خطأ استراتيجي

وبدلاً من البيع بأسعار مخفضة بسبب العقوبات الغربية، قد يحقق النفط الخام الروسي الآن أسعاراً مرتفعة، حيث يتسابق مشترياه الرئيسان: الهند والصين لتأمين الإمدادات. وعلاوة على ذلك، سيحظيان بموافقة واشنطن.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أصدرت، الجمعة الماضي، إعفاء لمدة 30 يوماً يسمح للهند بشراء النفط الخام الروسي «لتمكين النفط من الاستمرار في التدفق إلى السوق العالمية».

وبعد يوم واحد، قال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، إن «الولايات المتحدة قد ترفع العقوبات عن النفط الروسي»، في تحول حاد عن سياسة العام الماضي التي كانت تعاقب الدول التي تشتري الطاقة الروسية.

وليس من المستغرب أن يستغل الكرملين هذه اللحظة لتحقيق أقصى استفادة ممكنة، حيث قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، للصحافيين في ما بدا وكأنه عرض ترويجي: «كانت روسيا ولاتزال مورّداً موثوقاً به للنفط والغاز»، مضيفاً أن «الطلب على منتجات الطاقة الروسية قد زاد».

وفي غضون ذلك، تفاخر مستشار الكرملين، كيريل ديميترييف، في سلسلة من المنشورات على منصة «إكس»، بأن «تسونامي صدمة النفط قد بدأ للتو»، وانتقد قرار أوروبا بقطع علاقاتها مع وزارة الطاقة الروسية، ووصفه بأنه كان «خطأ استراتيجياً».

وأول من أمس نشر معلقون مؤيدون للكرملين مقالاً في صحيفة «وول ستريت جورنال»، يتوقع أن ترتفع أسعار النفط إلى 215 دولاراً.

لعبة طويلة الأمد

ويحذر خبراء الطاقة من أنه من السابق لأوانه أن تعلن موسكو انتصارها. وما إذا كانت حرب إيران ستكون علاجاً لاقتصاد روسيا أم لا، فهذا يعتمد بشكل مباشر على مدى استمرارها.

وقال ميلوف (نائب وزير الطاقة الروسي السابق)، إنه لكي تُحدث فرقاً ملموساً في الاقتصاد، ستحتاج روسيا إلى بقاء أسعار النفط عند مستوياتها الحالية لمدة عام تقريباً.

وأضاف: «من المؤكد أن ارتفاع الأسعار لمدة شهر أو شهرين سيساعد، لكنه لن ينقذ الاقتصاد الروسي».

كما أكد فاكولينكو (زميل مركز كارنيغي روسيا أوراسيا)، أن الارتفاع المؤقت في الأسعار لن يؤدي إلا إلى «تأجيل القرارات الصعبة».

وهناك سبب آخر يجعل موسكو تأمل استمرار الحرب، فمع كل يوم يمر من القتال، تستنفد الولايات المتحدة مخزونات الأسلحة التي تعتمد عليها أوكرانيا للدفاع عن نفسها.

ووفقاً لتقارير إعلامية، فإن روسيا تزود إيران بمعلومات استخباراتية لمساعدتها في استهداف السفن الحربية والطائرات الأميركية.

وقد يكون مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في غارة جوية أميركية - إسرائيلية قد وجّه ضربة لوعود روسيا بالدفاع عن حلفائها، لكن بوتين قد يُقرّر في النهاية أن هذا كان ثمناً يستحق الدفع.

عن «بوليتيكو»


تراجع التدفقات النقدية

أسهمت صادرات النفط والغاز في دعم مالية روسيا طوال حربها ضد أوكرانيا، لكن مع مرور أربع سنوات على الحرب، تراجعت هذه التدفقات النقدية فجأة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

ويُعزى ذلك إلى الإجراءات العقابية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والضغوط الجمركية التي مارسها الرئيس دونالد ترامب على الهند، التي تستورد النفط من روسيا، فضلاً عن تشديد الإجراءات على أسطول الناقلات الذي ينقل النفط الروسي ويتهرّب من العقوبات.

ويدفع انخفاض الإيرادات الرئيس فلاديمير بوتين إلى الاقتراض من البنوك الروسية ورفع الضرائب، ما يحافظ على استقرار المالية العامة للدولة في الوقت الحالي، لكن هذه الإجراءات لا تؤدي إلا إلى زيادة الضغوط على اقتصاد الحرب الذي يعاني الآن تباطؤ النمو والتضخم المستمر.

وفي يناير، انخفضت إيرادات الدولة الروسية من الضرائب المفروضة على صناعات النفط والغاز إلى 5.1 مليارات دولار، وهذا هو أدنى مستوى منذ جائحة «كورنا»، وفقاً للخبير في الاقتصاد الروسي في المعهد الألماني للشؤون الدولية، جانيس كلوغ.

. ارتفاع أسعار النفط يُمثّل مكسباً اقتصادياً غير متوقع لروسيا في لحظة حاسمة، بعد أن هدّدت كلفة 4 سنوات من الحرب في أوكرانيا بالتسبب في أزمة اقتصادية.

. قد يحقق الخام الروسي أسعاراً مرتفعة بدلاً من البيع بأسعار مخفضة بسبب العقوبات الغربية، مع تسابق مشتريه الرئيسيين، الهند والصين، لتأمين الإمدادات.

تويتر