تراجع الإسهامات وتقليص عمليات حفظ السلام يضعان الاستقرار الدولي أمام اختبار صعب

أزمة السيولة في الأمم المتحدة.. تهديد خفي للأمن الجماعي العالمي

قوات حفظ السلام تُكلَّف بمهام متعددة منها مراقبة وقف إطلاق النار والحد من تجدّد أعمال العنف. من المصدر

اعتاد كثيرون النظر إلى مشكلات السيولة التي تواجه الأمم المتحدة باعتبارها مسألة تقنية، ترتبط بتعقيدات الميزانية وإجراءات التمويل. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أكثر عمقاً وخطورة، وهي أن العجز المالي لا يمثل مجرد خلل إداري، بل يشكل عاملاً مباشراً في تقويض وإضعاف منظومة الأمن العالمي الجماعي.

فقد شهدت الميزانية الاعتيادية للأمم المتحدة، لاسيما تلك المرتبطة بعمليات حفظ السلام والأمن، والتنمية المستدامة، وتعزيز حقوق الإنسان، انخفاضاً من 3.72 مليارات دولار في عام 2025 إلى 3.45 مليارات دولار بحلول عام 2026. وقد ترتب على هذا التقليص إلغاء نحو 2900 وظيفة في مواقع متعددة حول العالم، ما يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها المنظمة الأممية في وقت تتصاعد فيه الأزمات الدولية.

أما في ما يتعلق بعمليات حفظ السلام، فقد بلغت المخصصات المعتمدة للفترة (2025-2026) نحو 5.38 مليارات دولار، إلا أنها تضمنت عجزاً يناهز ملياري دولار نتيجة عدم سداد بعض الدول لإسهاماتها المقررة. وتأتي هذه التخفيضات في لحظة تاريخية تشهد فيها النزاعات المسلحة أعلى مستوياتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يضاعف خطورة تقليص الموارد المتاحة لعمليات الاستقرار الدولية.

وفي هذا السياق، حذّر الممثل الدائم لباكستان لدى الأمم المتحدة، السفير قاسم افتكار أحمد، من أن أزمة السيولة الحالية تؤثر بصورة مباشرة في فاعلية عمليات حفظ السلام، وتحد من قدرة القوات الأممية على حماية المدنيين وردع العنف ومنع تفاقمه.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة بالنظر إلى أن باكستان تُعدّ من أكبر الدول المساهِمة بقوات في بعثات حفظ السلام، ومن أقدم الدول التي شاركت بجنودها تحت راية الأمم المتحدة.

أكبر مساهم

وعلى الصعيد المالي، تظل الولايات المتحدة أكبر مساهم في تاريخ الأمم المتحدة، إلا أن متأخراتها المالية تجاوزت 2.2 مليار دولار. وخلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تم إلغاء مئات الملايين من الدولارات التي كانت مخصصة مسبقاً لتمويل عمليات حفظ السلام، كما أشارت واشنطن في عام 2026 إلى نيتها إلغاء إسهامها في هذه العمليات بشكل كامل، مبررة ذلك بعدم رضاها عن نتائج البعثات في مالي ولبنان والكونغو الديمقراطية.

ويمثل الإسهام الأميركي الركيزة الأساسية لتمويل عمليات حفظ السلام الأممية. وعندما يعتمد أكبر الممولين نهجاً انتقائياً في الوفاء بالتزاماته، فإن عنصر الاستقرار والقدرة على التنبؤ يتآكل، وتصبح عمليات الأمم المتحدة رهينة للتقلبات السياسية. فغياب التدفق النقدي المنتظم يجعل تنفيذ المهام الميدانية أمراً مشروطاً وغير مضمون.

وأقر وكيل الأمين العام لعمليات السلام، جان بيير لاكروي، بأن جهود الإصلاح الإداري لن تكون كافية لتعويض النقص الحاد في السيولة. ويؤدي العجز المالي حالياً إلى إعادة بعض جنود حفظ السلام إلى بلدانهم، فضلاً عن تجميد وظائف الموظفين المدنيين. كما انعكس ذلك في انخفاض وتيرة الدوريات، وتقييد حركة القوات الأممية، وتراجع حضورها الميداني في مناطق النزاع.

تزايد المخاطر

إن خفض الإنفاق الإلزامي بنسبة 15% يترجم عملياً إلى تقليص نحو 25% من عدد الأفراد العسكريين والمدنيين في مهام الأمم المتحدة بإفريقيا، أي ما يعادل سحب ما بين 13 ألفاً و14 ألف جندي وشرطي. وكانت بعثات الأمم المتحدة في الكونغو الديمقراطية، وجنوب السودان، وإفريقيا الوسطى من بين الأكثر تضرراً من هذه التخفيضات المالية والبشرية.

وفي العديد من المناطق، لاسيما في شرق الكونغو والمناطق الريفية في جنوب السودان، تشكل قوات حفظ السلام حاجز الردع المنظم الوحيد بين الجماعات المسلحة والسكان المدنيين الضعفاء. وعندما يضعف هذا الحاجز نتيجة نقص التمويل، تتراجع قدرة الردع، وتتزايد المخاطر التي تهدّد المدنيين، بما في ذلك تقييد حركتهم وتعرضهم لأعمال العنف.

وتُكلف قوات حفظ السلام بمهام متعددة، تشمل مراقبة وقف إطلاق النار، والحد من تجدد أعمال العنف، والإسهام في تسوية النزاعات. ويُقاس نجاح هذه العمليات غالباً بعدد الأزمات التي يتم احتواؤها قبل أن تندلع. وعلى الرغم من أن ميزانية حفظ السلام، التي تراوح بين خمسة وستة مليارات دولار سنوياً، تبدو كبيرة في ظاهرها، فإنها تظل ضئيلة مقارنة بالإنفاق العسكري العالمي الذي يتجاوز تريليوني دولار سنوياً، ما يعزّز حقيقة أن الوقاية أقل كلفة بكثير من التدخل بعد تفاقم الأزمات.

وتتميز عمليات حفظ السلام بطابعها متعدد الأطراف، واعتمادها على موافقة الدولة المضيفة، واستنادها إلى شرعية دولية، وهي توفر بيئة مواتية للحوار السياسي، وتدعم تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، وتسهم في إعادة بناء المؤسسات الوطنية المتضررة من النزاعات. وبالنسبة للدول الهشة، تمثل هذه العمليات أحياناً الأداة الوحيدة القادرة على توفير حد أدنى من الاستقرار. ومن ثم، فإن تمويل حفظ السلام لا يعدّ عملاً خيرياً، بل استثمار استراتيجي في منع التصعيد ومنع انتقال الأزمات إقليمياً.

تداعيات جيوسياسية

إن تأثير أزمة السيولة لا يقتصر على نطاق ضيق، بل يمتد إلى تداعيات جيوسياسية أوسع. فعدم الاستقرار في إفريقيا والشرق الأوسط، يمكن أن ينعكس على الممرات البحرية في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وعلى طرق الطاقة في الخليج، وهي شرايين حيوية للتجارة والنمو الآسيوي. كما أن إهمال الدول الهشة قد يحولها إلى بؤر لتهريب الأسلحة، وشبكات التطرف، والجريمة المنظمة، ما يهدّد طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

وتُعدّ الصين ثاني أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة، كما يتنامى دورها في إرسال القوات. وغالباً ما يرتبط الدعم المالي بالنفوذ الاستراتيجي داخل مؤسسات المنظمة الدولية. أما باكستان، فقد شارك أكثر من 250 ألفاً من جنودها في 48 بعثة أممية عبر أربع قارات، وسقط 182 منهم أثناء أداء مهامهم تحت راية الأمم المتحدة، ما يعكس عمق التزامها بعمليات حفظ السلام.

وأشار السفير الباكستاني إلى أن تأخر صرف المستحقات وتقليص الصلاحيات قد يؤثران في ترتيبات الجاهزية، والانتشار السريع والوحدات المتخصصة. وتعتمد الدول المساهِمة بقوات على انتظام السداد للحفاظ على جاهزية معداتها وضمان الدعم السياسي الداخلي. واستمرار الغموض المالي قد يدفع بعض هذه الدول إلى إعادة تقييم مستوى مشاركتها واستدامتها.

تقاسم الأعباء

في المحصلة، تطرح أزمة السيولة سؤالاً محورياً: هل هي أزمة عابرة مرتبطة بظرف سياسي مؤقت، أم أنها مؤشر على تحول هيكلي أعمق في مفهوم الأمن العالمي الجماعي؟ فإذا أصبحت الالتزامات المالية خاضعة لاعتبارات سياسية آنية، فإن حياد عمليات حفظ السلام وشرعيتها سيتعرضان للتآكل. وإذا تراجعت أكبر دولة مساهمة دون أن تعوّضها قوى أخرى بصورة متناسبة، فإن بنية الاستقرار الدولي ستنكمش تدريجياً.

ويبدو الخيار المطروح أمام الدول الأعضاء لا يتمثل في المفاضلة بين الإنفاق والادخار، بل بين الاستثمار في الاستقرار الوقائي وتحمل تكاليف صراعات غير مُدارة. لقد قام الأمن الجماعي تاريخياً على تقاسم الأعباء بصورة منتظمة وقابلة للتنبؤ. وعندما يضعف هذا الأساس، يضعف معه ردع الأمم المتحدة، ويتعرّض النظام متعدد الأطراف لخطر التآكل التدريجي، بما قد يفتح الباب أمام انتشار صراعات أكثر تعقيداً وزعزعة للاستقرار العالمي. عن «أيجا تايمز»


مصداقية الأمم المتحدة

فقدان التمويل المنتظم لا يعني فقط تراجع القدرات الميدانية، بل يُهدّد أيضاً مصداقية الأمم المتحدة ذاتها. فالتمويل المستقر يُعزّز الروح المعنوية، ويضمن الجاهزية، ويدعم سرعة الاستجابة. وفي غيابه، يتآكل عنصر الردع الذي تمثله المنظمة في بؤر النزاع.

وقد يكون الاتجاه نحو بعثات أصغر حجماً وأكثر تركيزاً على المسارات السياسية، خياراً استراتيجياً منطقياً، لكن نجاح هذا التحول يتطلب تمويلاً كافياً ومدروساً. وبدون ذلك، يتحول الإصلاح إلى تقليص عشوائي يضعف الفاعلية بدلاً من تعزيزها.

. خفض الإسهامات في ميزانية الأمم المتحدة يأتي في لحظة تاريخية تشهد فيها النزاعات المسلحة أعلى مستوياتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

. متأخرات أميركا التي تُعدّ أكبر مساهم في تاريخ المنظمة الدولية، تجاوزت 2.2 مليار دولار، كما ألمحت واشنطن إلى إلغاء إسهاماتها في عمليات حفظ السلام.

تويتر