مسؤولو الإدارة الأميركية لم يقدموا رؤية محددة لكيفية إنهاء حرب إيران
محلل: انقلاب ترامب على «عقيدة باول» العسكرية يفتح الباب أمام سيناريوهات غير متوقعة
عندما بدأت القنابل تتساقط على إيران، شعر معظم الأميركيين بالدهشة، التي شعرت بها بقية دول العالم، فرغم أن الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط تزايد خلال الأسابيع السابقة، فإن المفاوضات بين واشنطن وطهران كانت لاتزال جارية. وبينما كان الجيش الأميركي يستعد للهجوم، أخفت إدارة الرئيس دونالد ترامب الهدف الدقيق. وكان النقاش الوطني في الولايات المتحدة بشأن الحرب محدوداً للغاية، كما كان الحوار مع حلفاء الولايات المتحدة محدوداً.
وبعد أيام من نشوب الحرب بقرار أميركي إسرائيلي لم يقدم مسؤولو الإدارة الأميركية رؤية محددة لكيفية إنهائها، في الوقت الذي تبدو فيه فرص حدوث سيناريوهات غير متوقعة أكبر بكثير من احتمال تحقيق الرئيس الأميركي لأهدافه من الحرب، بحسب تحليل للرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأميركي الجديد، ريتشارد فونتاين، نُشر في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية.
ويرى فونتاين أن استخدام ترامب القوة العسكرية الأميركية يتناقض، من نواحٍ عدة، مع ما يُعرف باسم «عقيدة باول» التي طوّرها الجنرال الأميركي كولن باول أثناء حرب تحرير الكويت، المعروفة باسم حرب الخليج الأولى عام 1991. وتقضي هذه العقيدة بأن يكون استخدام القوة هو الملاذ الأخير فقط، بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية.
وإذا كانت الحرب ضرورية، فيجب شنها لتحقيق هدف واضح، مع استراتيجية انسحاب واضحة، وبدعم شعبي، كما يجب أن تستخدم قوة ساحقة وحاسمة، لهزيمة العدو، مستخدمةً كل الموارد المتاحة - العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وكما كتب باول لاحقاً، لا يمكن للقادة العسكريين «الرضوخ بهدوء لحرب مترددة لأسباب واهية لا يستطيع الشعب الأميركي فهمها أو تأييدها».
وأثار نهج باول، الذي استند إلى معايير وضعها وزير الدفاع الأميركي في ثمانينات القرن الـ20 كاسبار واينبرجر، جدلاً واسعاً منذ البداية، فقد رأى بعض النقاد أن نهج «الكل أو لا شيء» في الحرب سيحول دون استخدام القوة بشكل مدروس، لتحقيق أهداف متواضعة، لكنها لاتزال مهمة. أما بالنسبة لمؤيدي هذا المبدأ، فقد كان هذا هو الهدف تحديداً، إذ اعتبروا التدخلات المستمرة، كتلك التي قامت بها إدارة بيل كلينتون في الصومال وهايتي ويوغوسلافيا السابقة، إساءة استخدام للقوة العسكرية تنذر بالفشل أو الوقوع في مستنقع.
بدأ هذا النهج الجديد في الحرب يتبلور خلال ولاية ترامب الأولى، وترسّخ في ولايته الثانية، ففي عامَي 2017 و2018، أمر ترامب بشنّ ضربات صاروخية على نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وواصل العمليات العسكرية الأميركية في العراق وسورية.
وفي العام الماضي، دمّر ترامب مواقع نووية إيرانية رئيسة، وهاجم مسلحين في شمال نيجيريا، وفي هذا العام، تدخلت إدارته في فنزويلا لإطاحة رئيسها نيكولاس مادورو، وأخيراً أطلقت عملية عسكرية واسعة النطاق في إيران.
من ناحية أخرى، اعتمد ترامب نهجاً يقوم على استغلال الغموض لمصلحته، لمباغتة خصومه، فعلى سبيل المثال، وقعت الهجمات الأميركية على إيران عامَي 2025 و2026 أثناء سير المفاوضات. ولم تُصدر إدارته أي إنذارات علنية، ويبدو أن ترامب لا يعتبر القوة خياراً يتم اللجوء إليه فقط عند استنفاد جميع الوسائل الأخرى، بل هي إحدى الأدوات المتاحة، لتعزيز النفوذ، وتحقيق أقصى قدر من المفاجأة، وإحداث تغيير ملموس.
ومن بين عناصر «عقيدة باول» التي يبدو أن ترامب تجاهلها تماماً، هو السعي إلى الحصول على الدعم الشعبي، حيث يعتبر باول الاحتجاجات التي اندلعت خلال حرب فيتنام ضد التدخل الأميركي مثالاً نموذجياً يجب تجنبه. فإذا كان هدف ما بالغ الأهمية للأميركيين لدرجة تدفعهم للقتال، فمن الأجدر أن يدعمه الشعب الذي يُقاتل باسمه، ويتطلب كسب هذا الدعم عادةً من الرئيس تقديم حجج مقنعة، بشكل متكرر وعلى مدى شهور، كما أنه من المتوقع في مثل هذه الحال الحصول على موافقة الكونغرس على شن الحرب بعد نقاش مطول.
وفي حين تدعو «عقيدة باول» إلى الوضوح، يُفضّل ترامب المرونة، لكن ترامب لم يسعَ إلى الحصول على التأييد الشعبي، لأي من عملياته العسكرية ولم يصوّت الكونغرس على تفويضه في أي منها، بل بدأ كل صراع فجأة واتخذ مساراً غير متوقع. وبدلاً من تقديم مبررات لكل حرب، أصر الرئيس مراراً على أنه يأمل تجنبها.
وتجنبت إدارة ترامب أيضاً تحديد أهداف واضحة لاستخدامها القوة، فعند إعلانها بدء الحرب مع إيران، قال الرئيس إن الهدف هو «الدفاع عن الشعب الأميركي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني»، وبعد يوم من بدء الهجمات، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن القصف يهدف إلى تحقيق «هدفنا المتمثّل في السلام في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بل في العالم أجمع»، وصرّح بأن الهدف هو تغيير النظام في إيران، وأنه يخطط للتفاوض مع القيادة التي حلت محل المرشد الأعلى.
«عقيدة باول».. ونهج ترامب
تنصّ «عقيدة باول» على ضرورة استخدام قوة ساحقة وحاسمة في سبيل تحقيق الهدف وهزيمة العدو بأسرع وقت ممكن وبشكل حاسم، أما نهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيفضل العمليات العسكرية القصيرة والحاسمة التي تستخدم أنواعاً محددة من القوة فقط، لاسيما القوة الجوية والقوات الخاصة، مع استبعاد القوات البرية التقليدية في أغلب الأحيان.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news