القارة لاتمتلك سياسة موحدة بشأن الأمن الإلكتروني

الردع السيبراني الأوروبي.. بين عدم اليقين القانوني والتردد السياسي

دول الاتحاد الأوروبي لديها رؤى متباينة للتهديدات السيبرانية. رويترز

أصبح الأمن السيبراني الآن سمة دائمة في البيئة الاستراتيجية لأوروبا، أما الردع السيبراني فليس كذلك. وعلى الرغم من سنوات من التوسع التنظيمي والإصلاح المؤسسي والتنسيق بين التحالفات، لاتزال أوروبا تكافح من أجل التأثير على سلوك الخصوم في الفضاء السيبراني بطريقة مستدامة.

وهذا ليس لأن صانعي السياسات يقللون من شأن التهديد، بل لأن الردع، كما يُفهم تقليدياً، لا يتناسب مع الطريقة التي تمارس بها السلطة فعلياً في المجال الرقمي.

اعتمد الردع العسكري الكلاسيكي على مستويات مستقرة نسبياً ومسارات تصعيد واضحة. وكان من المتوقع أن يدرك الخصوم ليس فقط وجود قدرات انتقامية، بل أيضاً الظروف التي سيتم فيها استخدام تلك القدرات والعزم السياسي الذي يدعم استخدامها.

وبهذا المعنى، كان الردع يعمل بدرجة أقل من خلال الوعد بالتصعيد منه من خلال مصداقيته. وكان فعالاً لأن النية والقدرة والعواقب كانت واضحة للحلفاء والخصوم على حد سواء.

كما يفتقر الفضاء السيبراني إلى هذه الظروف المُثبِتة للاستقرار. فمعظم العمليات الإلكترونية مصممة لتظل تدريجية وغامضة، وهي مُصممة للاستفادة من عدم اليقين القانوني والتردد السياسي بدلاً من إثارة رد انتقامي حاسم. ولا يتمثل التأثير الاستراتيجي في تصعيد الأزمة، بل في الضغط المستمر الذي يُمارس دون تجاوز أي خط أحمر محدد بوضوح.

واقع سياسي صعب

أوروبا معرّضة بشكل خاص لهذا النمط، فالاقتصادات الأوروبية والخدمات العامة وسلاسل التوريد الدفاعية كلها رقمية بشكل عميق، في حين أن السلطة على الأمن والاستجابة والتصعيد لاتزال مجزأة بين المؤسسات الوطنية والأوروبية. ونادراً ما تكون الحوادث الإلكترونية الفردية دراماتيكية بما يكفي لتبرير استجابة جماعية قاسية.

وبدلاً من ذلك، تكمن أهميتها في تراكمها، فمع مرور الوقت، تقلل من الثقة، وتصل إلى المعلومات الاستخباراتية، وتختبر التماسك المؤسسي. وفي غضون ذلك، يجد الردع صعوبة في بيئة لا يحمل فيها أي حادث بمفرده وزناً حاسماً.

ليس لدى أوروبا سياسة موحدة بشأن الأمن السيبراني، وتعكس السياسة الأوروبية هذا التوتر. وغالباً ما يتم اللجوء إلى الردع، لكن نادراً ما يتم تنفيذه.

وتظل الخطوط الحمراء ضمنية، فيما تبقى مستويات الاستجابة مرنة بشكل متعمد. وغالباً ما تكون العواقب على الخصوم ظرفية وليست محددة مسبقاً.

ومن الناحية الحاسمة، تحسنت عملية تحديد المسؤول عن الهجوم السيبراني، لكن الاتفاق على كيفية التصرف حياله لايزال متفاوتاً.

وتعكس هذه السمات الواقع السياسي الصعب لأوروبا، حيث إنه اتحاد دول ذات سيادة وذات سلطات قانونية، لكن لدى كل دولة منها استراتيجيات مختلفة وطرق تعامل متباينة مع التصعيد، وأحياناً متضاربة.

عدم التوافق الهيكلي

ويزداد هذا الواقع المؤسسي تعقيداً بسبب عدم التوافق الهيكلي بين السياسات الحكومية والردع. وتظل قرارات الأمن السيبراني التقليدية وطنية إلى حد كبير، وعلى المستوى الأوروبي، تقع في المقام الأول ضمن الأطر التنظيمية والمدنية.

على النقيض من ذلك، يتم التعبير عن الردع تقليدياً من خلال الهياكل العسكرية والتحالفات، وبشكل أوضح داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وعلى الرغم من أن «الناتو» قد أعلن أن هجوماً إلكترونياً مُدمراً قد يؤدي إلى تفعيل (المادة 5) من ميثاق الحلف، إلا أنه في الواقع العملي، لا توجد تفاصيل محددة حول الشكل الذي قد يتخذه هجوم من هذا النوع.

وهذا يساعد في تفسير اعتماد أوروبا على «الردع عن طريق الإنكار». هي عقيدة دفاعية تهدف إلى منع المعتدي من الهجوم عبر إقناعه بفشل هجومه وعدم القدرة على تحقيق أهدافه، بدلاً من التهديد بالعقاب.

وتعتمد على تحصين الدفاعات، ونشر قوات قتالية قوية، وتعزيز المرونة لجعل كلفة العدوان أعلى من فوائده، وتتوافق المرونة بشكل جيد مع تقاليد الحكومات الأوروبية.

وتهدف الأدوات التنظيمية مثل «إن آي إس 2» وقانون المرونة التشغيلية الرقمية إلى رفع مستوى الأمان الأساسي في جميع القطاعات. ويُقلل «الإنكار» من الضعف ويَحُد من الضرر، وهو قابل للتطوير، ومقبول سياسياً.

ومع ذلك، فإنه لا يردع بحد ذاته، فهو يقلل من عوائد الخصم دون تحمل الأخير لتكاليف أو عواقب، ومع ذلك فإن التخفيف من الضرر ليس مثل التأثير على الخصوم.

الردع العقابي

ويعد الردع العقابي أكثر تقييداً للخصوم، ويتطلب العقاب الفعال إشارات موثوقة وتصعيداً يمكن التنبؤ به واستعداداً لفرض تكاليف، لكن في الفضاء السيبراني، يصعب الحفاظ على هذه الشروط. ولا يمتلك سوى عدد قليل من الدول الأوروبية قدرات إلكترونية هجومية معترفاً بها.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تكون الأدوات العقابية دبلوماسية إلى حد كبير، بما في ذلك من خلال العقوبات وتوجيه الاتهام العلني للمتسبب في الهجمات الإلكترونية. وهذه الأمور مهمة بالطبع، غير أن تأثيرها الرادع يعتمد على الانسجام والتنسيق، وكلاهما يصعب الحفاظ عليه عبر المؤسسات والعواصم.

سياسة غامضة

يضيف حلف شمال الأطلسي طبقة أخرى من التعقيد، فقد اعترف الحلف بالفضاء السيبراني كمجال عملياتي، وأكد أن الهجمات السيبرانية يمكن، من حيث المبدأ، أن تؤدي إلى الدفاع الجماعي، وفقاً لـ(المادة 5) من ميثاق «الناتو»، لكن هذا الغموض مقصود، فالحلفاء يختلفون في تقييمهم لخطورة الهجمات ونواياها وتناسبها. وقد تحسنت عملية تبادل المعلومات الاستخباراتية، غير أن السلطات القانونية ومستويات التصعيد لاتزال خاضعة للتقديرات الوطنية.

وتؤدي التبعيات الهيكلية، عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلى إضعاف الردع بشكل أكبر. وتعتمد أوروبا بشكل كبير على مزودي خدمات البنية التحتية السحابية والأمن السيبراني من خارج أوروبا. وهذا لا يؤثر في الأسواق فحسب، بل في الموقف الاستراتيجي أيضاً.

وتتوزع الرؤية وقدرة الاستجابة وخيارات التصعيد بشكل غير متكافئ، وغالباً ما تفتقر الدول الصغيرة إلى الوعي الشامل بالتهديدات، وتعتمد على مجموعة محدودة من الجهات الفاعلة الخاصة للحصول على رؤية للوضع. وتخلق هذه التباينات ثغرات يمكن للأعداء استغلالها، وغالباً ما يفعلون ذلك.

المشكلة الأساسية هي مشكلة مؤسسية وليست تقنية، فالردع السيبراني في أوروبا مقيد بالإجراءات الحكومية وليس بسبب ضعف قدراتها. ولايزال اتخاذ القرار بطيئاً، والاستجابة للأزمات مُجزأة، والتنسيق بين المجالات المدنية والعسكرية والاقتصادية والقانونية غير فعال.

ويفهم الأعداء والخصوم هذه البيئة جيداً، ويستغلون الغموض والتعقيد القانوني والتأخير الإجرائي، لمواصلة الضغط دون تجاوز الحدود التي من شأنها إجبار الأوروبيين على الرد. عن «ناشيونال إنترست»


الاستجابة المُنسقة

يجب فهم الردع السيبراني على أنه عملية تعتمد على الحد من مكاسب الخصم من خلال «الإنكار»، وزيادة التكاليف التي يتحملها من خلال الاستجابة المُنسقة، ودمج الاعتبارات السيبرانية في تخطيط التصعيد الأوسع نطاقاً. ولم يعد من الممكن التعامل مع الفضاء السيبراني على أنه مجال تنظيمي أو تخصص تقني، بل يجب أن يصبح ساحة أساسية للمنافسة الاستراتيجية، وإن كانت دون عتبة الحرب.

التحدي الذي تواجهه أوروبا ليس الافتقار إلى الاستراتيجية، بل الفجوة المستمرة بين الطموح والتنفيذ. وإلى أن تصبح إدارة الأزمات والتنسيق عبر المجالات أمراً روتينياً وليس استثنائياً، سيظل الردع السيبراني مفهوماً يُطمئن صانعي السياسات أكثر مما يردع الخصوم.

. اقتصادات أوروبا وخدماتها وسلاسل التوريد كلها رقمية، بينما السلطة على الأمن والاستجابة مجزأة بين المؤسسات الوطنية والأوروبية.

. الردع السيبراني الأوروبي مقيّد بالإجراءات الحكومية وليس بضعف القدرات، لذلك فالمشكلة الأساسية مؤسسية وليست تقنية.

تويتر