الأوكرانيون لا يتوقعون تحقيق اختراقات كبيرة من المفاوضات الحالية.. وتوقعات باستمرار الحرب لسنوات
الضغوط المتزايدة تُغيّر مواقف الأوكرانيين من «التنازلات» باسم السلام مع روسيا
نجا فياتشيسلاف زغورسكي وتيتيانا نستور، من إصابة مباشرة عندما ضربت قنبلة روسية بالقرب من منزلهما في يناير، ولكن الإصابة القريبة دمرت ما تبقى من شعور بالأمان لدى الزوجين في مدينة «زابوريجيا» الأوكرانية.
وخلّفت الشظايا أضراراً جسيمة طالت المنزل وسيارة العائلة، بينما أصبح منزل جارهما خراباً.
وتعود العائلة لفترات قصيرة فقط، إلى المنزل، لإطعام الكلب. ويجعل الموقد الغازي، الأمور أسهل نسبياً، وهو بمثابة نعمة صغيرة في مدينة غرقت فيها المنازل في البرد والظلام، بسبب انقطاع الكهرباء.
وتتجول ابنة الزوجين، فيرونيكا، في المنزل مرتدية سترة شتوية سميكة. وهي تتغيب عن «الروضة» هذه الأيام، لأن الفصول الدراسية باردة جداً.
ويبدو التعب واضحاً على وجوههم جميعاً، لكن الخسارة الأعمق في هذا المنزل الأوكراني المتواضع غير مرئية، فقد قُتل ابن فياتشيسلاف وتاتتيانا، فاديم، في مارس 2023 أثناء قتاله القوات الروسية في «ماريينكا»، وهي بلدة في شرق أوكرانيا، وتحاول موسكو الاستيلاء عليها.
ونتيجة لذلك، فإن جهود التفاوض التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، بما في ذلك الجولة الأخيرة التي تجري الآن في جنيف، لا تحظى باهتمام كبير.
«لماذا يجب أن نهتم بعد الآن؟»، يسأل زغورسكي مضيفاً: «الأهم هو وقف القتل».
ومع تحول الحرب في أوكرانيا، إلى تقدم بطيء للقوات الروسية هذا الشتاء، يتحمل المدنيون ثمن الصراع، سواء كانوا قريبين أو بعيدين عن خطوط القتال. ولم تعد صفارات الإنذار بالغارات الجوية تسبب الذعر.
وبدلاً من ذلك، يحاول الناس البقاء دافئين، حيث تؤدي الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة، إلى نقص في الإمدادات وسط درجات حرارة متجمدة.
وبمرور الوقت، أدى هذا الضغط إلى تغيير مواقف الأوكرانيين، تجاه التنازلات الإقليمية باسم (السلام)، لكن بيانات الاستطلاعات تظهر أن هذا التغيير يتجه نحو البراغماتية المشروطة بدلاً من قبول المطالب الروسية، كما يقول المراقبون.
والسؤال الذي يريد الأوكرانيون إجابة عنه هو: «ما الذي سيمنع العدوان الروسي في المستقبل؟».
الحاجة إلى ضمانات
لقد ربطت روسيا، باستمرار، السلام بتنازلات عن أراضٍ أوكرانية، وزابوريجيا من بين المناطق التي تسعى إلى ضمها. وأحد التحديات المركزية في محادثات السلام التي تقودها الولايات المتحدة هو مستقبل المناطق الغنية بالموارد في شرق أوكرانيا، إلى جانب الأراضي الأخرى التي احتلتها موسكو وتدعي ملكيتها.
ومع اقتراب الذكرى السنوية الرابعة، تسببت الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا في فبراير 2022، في خسائر بشرية مروعة، فقد تكبدت القوات الروسية ما يقرب من 1.2 مليون قتيل وجريح في الحرب، بينما لم تحقق سوى مكاسب هامشية على مدار العام الماضي، و«لم تتكبد أي قوة عظمى في أي مكان ما يقارب هذا العدد من الضحايا أو القتلى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية»، كما أشار محللون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تحليل أجروه الشهر الماضي. وقدروا أن إجمالي القتلى والجرحى في ساحة المعركة بين روسيا وأوكرانيا قد يصل إلى مليونين بحلول الربيع.
وبعد هجوم مضاد أوكراني أولي، استعاد أجزاء من الأراضي، استعادت روسيا زمام المبادرة في عام 2024، لكنها استولت على جزء ضئيل من الأراضي الأوكرانية، بضعة آلاف من الأميال المربعة، منذ ذلك الحين. وأسفرت الهجمات الكبرى عن تقدم ضئيل للغاية، بحيث يُقاس بالأمتار وليس بالكيلومترات. والفجوة بين الجهد المبذول والأراضي المكتسبة تتسع بالنسبة لموسكو، ولكن أوكرانيا تكافح أيضاً التعب ونقص القوى البشرية.
وعلى الرغم من الخسائر الفادحة، لايزال غالبية الأوكرانيين يرفضون التنازلات الإقليمية، حتى في المناطق الصناعية المتضررة بشدة في (دونيتسك ولوهانسك)، المعروفة مجتمعة باسم «دونباس»، والتي تخضع إلى حد كبير للسيطرة الروسية، وفقاً للاستطلاعات الوطنية التي أجراها معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في يناير.
مشكلتان رئيستان
يقول المدير التنفيذي لمعهد كييف الدولي، أنطون غروشيتسكي: «لايزال هذا الاقتراح بتبادل السيطرة على (دونباس) مقابل ضمانات أمنية لا يحظى بتأييد غالبية الأوكرانيين» موضحاً: «هناك مشكلتان رئيستان. الأولى: هناك ثقة منخفضة جداً تجاه روسيا، والثانية: توقعات عالية بأن الروس سيهاجمون أوكرانيا مرة أخرى بعد أي وقف لإطلاق النار». وقد أدى وقف إطلاق النار الأخير، الذي انتهى بمزيد من الهجمات، إلى تعزيز هذا القلق.
ويضيف غروشيتسكي: «فيما يتعلق بهذه المشكلة، فإن الثقة بحلفائنا الغربيين منخفضة. إذا قال ترامب: (أعدكم بأن روسيا لن تهاجم مرة أخرى)، فإن ذلك لا يكفي بالنسبة للأوكرانيين. معظم الأوكرانيين لا يتوقعون تحقيق اختراقات كبيرة من المفاوضات الحالية. لاتزال الغالبية تتوقع أن تستمر الحرب لأشهر عدة وربما سنوات».
ولايزال الاعتراف الرسمي بالأراضي المحتلة كأراضٍ روسية خطاً أحمر، كما ترفض الغالبية أي خطة سلام تستند مباشرة إلى المطالب الروسية.
وعندما عُرض على المشاركين في استطلاع أُجري في ديسمبر، اقتراحاً يتضمن الانسحاب من (دونباس) والاعتراف بالأراضي المحتلة ونزع السلاح، لم يؤيده إلا 17% منهم تقريباً. وبالمقارنة مع ما كانت عليه الحال قبل عامين أو ثلاثة أعوام، يلاحظ غروشيتسكي، وهو عالم في الاجتماع، أن المزيد من الناس يقبلون الآن فكرة تجميد خط المواجهة، حتى من دون قوات حفظ السلام.
ولكن هذا القبول يأتي بشرط أن يكون هناك دعم قابل للتنفيذ لأوكرانيا، ليس في شكل كلمات، أو مليارات الدولارات أو اليورو، بل أنظمة أسلحة وذخيرة محددة.
ويقول غروشيتسكي: «ليس لدينا حالياً أراض تقول أغلبية سكانها إننا نقبل السلام تحت أي شروط، وفي الاستطلاع الأخير، رفض 54% مغادرة (دونباس) مقابل ضمانات أمنية، بينما قال 39% إنهم يمكن أن يقبلوا مثل هذا السيناريو». عن «كريستيان ساينس مونيتور»
دروس مستفادة
إصرار الأوكرانيين على ضمانات أمنية ذات مغزى متجذر في التاريخ والدروس المستفادة من المفاوضات السابقة. ويقول ميخائيل بودولياك، مستشار مكتب الرئاسة الأوكراني، الذي انضم إلى مفاوضات السلام في إسطنبول في عام 2022، إن النجاح يتوقف على تقييم واضح لسلوك روسيا.
وهو يعتقد أن روسيا ليست مهتمة بالتوصل إلى تسوية في هذه المرحلة، لأن الحرب تدعم السلطة السياسية للكرملين وبقاءها الاقتصادي وأهميته العالمية.
ويتيح الصراع لموسكو فرض الأمر الواقع داخلياً وخارجياً، وفقاً للمستشار الرئاسي.
ويوضح بودولياك، أن روسيا لا تنوي التوقف عن الحرب على المدى القريب، مادامت تحصل على ما تريد.
. السؤال الذي يريد الأوكرانيون إجابة عنه هو: «ما الذي سيمنع العدوان الروسي في المستقبل؟».
. لايزال الاعتراف الرسمي بالأراضي المحتلة كأراضٍ روسية خطاً أحمر. كما ترفض الغالبية أي خطة سلام تستند مباشرة إلى المطالب الروسية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news