قد تدفع اليابان وأميركا إلى توسيع التنسيق الدفاعي وإعادة رسم توازنات الأمن بالمنطقة

تحذيرات بكين لطوكيو بشأن «إعادة التسلح» تشعل سباق النفوذ في شرق آسيا

الصين تعتبر شرق آسيا منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى لاسيما ما يتعلق بالممرات البحرية. رويترز

تركزت أنظار المشاركين والمراقبين خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي عقد الأسبوع الماضي، على مواقف القوى الكبرى، لاسيما التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الصيني وانغ يي، ففي معرض رده على سؤال وُجه إليه خلال أعمال المؤتمر، وجه تحذيراً إلى اليابان مما وصفه بـ«أشباح العسكرة»، في إشارة واضحة إلى المخاوف الصينية من احتمال عودة طوكيو إلى سياسات إعادة التسلح بصورة تتجاوز إطارها الدفاعي.

ومن منظور تاريخي، تبدو حساسية بكين مفهومة، حيث كانت الصين من أكبر المتضررين من الحروب التي خاضتها اليابان خلال القرن الـ20، حين تبنت طوكيو آنذاك توجهاً إمبريالياً توسعياً أدى إلى احتلال أراضٍ واسعة في آسيا. غير أن الواقع السياسي والثقافي لليابان اليوم يختلف جذرياً عما كان عليه في ثلاثينات القرن الماضي. فاليابان المعاصرة تتبنى نهجاً سلمياً راسخاً في دستورها وممارساتها السياسية، ولم تبدِ في أي مرحلة حديثة رغبة في خوض حروب ضد أي دولة. لكن تحذيرات يي، لا تبدو مرتبطة فقط بإرث الماضي التاريخي، بل تتصل بصورة أوثق بقضايا راهنة تشغل صناع القرار في بكين، خصوصاً ما يتعلق بأمن الصين ومجالها الحيوي في شرق آسيا، لاسيما الممرات التجارية الحيوية التي تمر عبر المنطقة، فالصين تنظر إلى أي تحرك إقليمي قد يفسر على أنه محاولة لتقييد نفوذها أو معارضته باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

نتائج عكسية

ورغم أن لهجة الوزير الصيني حملت في طياتها رسالة ردع واضحة موجهة إلى طوكيو، فإن مثل هذه التصريحات قد تأتي بنتائج عكسية، فبدلاً من أن تردع اليابان، قد تدفعها إلى توثيق تعاونها مع حليفتها الرئيسة، الولايات المتحدة، ومع شركائها في شرق آسيا، بما يؤدي إلى مزيد من التنسيق العسكري وتعزيز القدرات الدفاعية الجماعية في المنطقة.

ولاتزال اليابان تعرف نفسها بأنها دولة مسالمة، ورغم الجهود الأخيرة التي بذلتها لتعزيز قدراتها الدفاعية، فإن هذه الخطوات تقدم داخلياً وخارجياً بوصفها إجراءات احترازية لا تهدف إلى العدوان. وفي هذا السياق، أكدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في تصريحاتها أن اهتمام حكومتها ينصب على أمن المنطقة ككل، وليس على انتهاج سياسات توسعية.

ضغط

ومن زاوية أكثر واقعية، يمكن فهم تصريحات وانغ يي على أنها محاولة للضغط على اليابان وثنيها عن معارضة السياسات الصينية في شرق آسيا، وهي منطقة تعتبرها بكين ذات أهمية استراتيجية كبرى، لاسيما ما يتعلق بالممرات البحرية وخطوط الملاحة والتجارة الدولية. غير أن الرهان على سياسة الترهيب قد لا يكون مضمون النتائج، فقد أظهرت التطورات السياسية الأخيرة في اليابان أن مثل هذه الضغوط لم تُضعف التيار الداعي إلى تعزيز القدرات الدفاعية، بل تزامنت مع فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي، بزعامة تاكايتشي، بأغلبية كبيرة في الانتخابات الأخيرة.

وفي حين أظهرت الدبلوماسية الصينية الحازمة قدرة على التأثير في بعض الدول الأصغر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإنها لم تنجح في إحداث تحول مماثل في الموقف الياباني، فقد واجهت دول مثل فيتنام والفلبين تحديات في الوقوف بوجه الصين داخل مناطقها الاقتصادية الخالصة، إلا أن اليابان، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي وتحالفاتها، تبدو في موقع مختلف وأكثر قدرة على المناورة.

اهتمام أميركا

أما الولايات المتحدة، فاهتمامها بشرق آسيا لا يقتصر على البعد الجيوسياسي، بل يمتد إلى اعتبارات اقتصادية وتقنية بالغة الأهمية، حيث يعتمد الاقتصاد الأميركي بدرجة كبيرة على تايوان، التي تعد مركزاً عالمياً لإنتاج الرقائق الإلكترونية المتطورة المستخدمة في صناعات حيوية تشمل المعدات العسكرية والسيارات الكهربائية والتقنيات المتقدمة.

ورغم أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلنت سعيها إلى توسيع إنتاج هذه الرقائق داخل الولايات المتحدة، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال يتطلب سنوات عدة قبل أن يغطي الإنتاج المحلي الاحتياجات الأميركية بالكامل.

وخلال هذه الفترة الانتقالية، تحرص واشنطن على ضمان بقاء تايوان خارج دائرة السيطرة الصينية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من استراتيجيتها في المنطقة. ومن هنا تبرز أهمية التحالفات الأميركية في شرق آسيا، إذ إن وجود شبكة من الشراكات الأمنية يجعل من الصعب على الصين فرض هيمنة كاملة على المنطقة.

إضافة إلى ذلك، فإن للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية في الحفاظ على نفوذ قوي في شرق آسيا.، فالتراجع عن الالتزامات تجاه الحلفاء هناك قد يفسّر في مناطق أخرى من العالم على أنه مؤشر ضعف أو تردد، ما قد يشجع قوى دولية أخرى على اختبار حدود الردع الأميركي، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات بدلاً من احتوائها.

دور محوري

وفي هذا السياق، يمكن لليابان، إذا ما واصلت تعزيز قدراتها الدفاعية، أن تلعب دوراً محورياً في دعم الدول الأصغر في المنطقة ومواجهة أي تهديد محتمل. كما أن تنامي القوة اليابانية يتيح للولايات المتحدة توزيع أعباء الدفاع بصورة أكثر توازناً، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التزاماتها العسكرية في مناطق متعددة حول العالم.

وتسعى تاكايتشي إلى رفع الإنفاق العسكري، وإجراء تعديلات دستورية تسمح لقوات الدفاع الذاتي اليابانية بأداء دور أكثر فاعلية في السياسة الإقليمية، بما في ذلك إمكانية نشر قوات لحماية دول أصغر عند الحاجة.

وفي المقابل، قد تجد الولايات المتحدة من المناسب تعزيز تعاونها الدفاعي مع طوكيو، بما في ذلك زيادة مبيعات المعدات العسكرية لقوات الدفاع الذاتي اليابانية، لضمان جاهزية اليابان للاضطلاع بدور أوسع وأكثر تأثيراً في معادلة الأمن الإقليمي. عن «ذا ديلي سيغنال»


صراع

لم تكن التصريحات الآسيوية التي أُطلقت خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، مجرد تبادل دبلوماسي عابر، بل تعكس صراعاً أعمق على النفوذ والترتيبات الأمنية في شرق آسيا، حيث تتقاطع حسابات الردع، والتحالفات، والمصالح الاقتصادية، في مشهد دولي يتسم بتزايد التعقيد والتنافس.

. يمكن فهم التحذيرات الصينية على أنها محاولة للضغط على اليابان وثنيها عن معارضة سياسات بكين في شرق آسيا.

. اهتمام الولايات المتحدة بشرق آسيا لا يقتصر على البعد الجيوسياسي، بل يمتد إلى اعتبارات اقتصادية وتقنية بالغة الأهمية.

تويتر