راهن على مصادرة الأصول الروسية في بلجيكا لتمويل جهود أوكرانيا الحربية

مـيـرتـس يخـفـق في إعادة ألمانيا إلى مركز القوة الأوروبية

صورة

قاد فريدريش ميرتس ائتلافاً يضم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد المسيحي الاجتماعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، كمستشار لألمانيا، لمدة ثمانية أشهر فقط، ومنذ البداية، كانت ولايته محفوفة بالمتاعب، فقد حصل على أغلبية برلمانية ضئيلة بفارق بسيط في الأصوات.

وبعد الانتخابات مباشرة، تخلص من العبء غير المريح لبرنامجه الانتخابي بمساعدة حزب الخضر، وأقر برنامج ديون ضخماً بقيمة نصف تريليون يورو، وعندما فشل انتخابه مستشاراً في التصويت البرلماني الأول، قَبِل حتى الدعم الذي قدمه حزب اليسار، إلى جانب حزب الخضر، لتصحيح هذا الموقف المحرج.

لم يثنِ أياً من هذا ميرتس، فقد وضع أهدافاً طموحة، وكان الهدف من السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية الجديدة هو إعادة ألمانيا الضعيفة، وبالتالي ميرتس نفسه، إلى مركز القوة في أوروبا.

ومع ذلك، أصبح من الواضح الآن أن المستشار الألماني وحكومته يفتقران إلى أي استراتيجية طويلة الأجل، ولم ينجح ميرتس أبداً في التغلب على العيوب والضعف المتأصل في إدارته، على الرغم من كل الوعود الكبيرة التي قطعها في المؤتمرات الصحافية.

ونتيجة لذلك، فإن سياساته موجهة حصرياً نحو البقاء على قيد الحياة على المديين القصير واليومي، ومما يزيد الطين بلة، كما يقال، أن تنفيذ هذه الأهداف الخاطئة بالفعل، اتسم بالارتجالية.

رهان الأصول الروسية

هناك حالتان سياسيتان فاشلتان تبيّن بوضوح تام أن سياسة ميرتس الخارجية وسياسته الاقتصادية لا يمكن أن تنجحا: الأولى المصادرة المخطط لها لأصول روسية بقيمة 210 مليارات يورو مودعة في بلجيكا، والثانية تتمثل في «خريف الإصلاحات» الذي أُعلن عنه بصوت عال، لكنه كان مجرد خطاب سياسي، والذي كان من المفترض أن يعيد الاقتصاد الألماني إلى مساره الصحيح.

كانت فكرة مصادرة 210 مليارات يورو من أصول البنك المركزي الروسي، المجمدة في الغالب في شركة الخدمات المالية «يوروكلير» التي تتخذ من بلجيكا مقراً لها، وتحويلها إلى قرض قسري لتمويل جهود أوكرانيا الحربية، أحد الأهداف المركزية للسياسة الخارجية لحكومة ميرتس الخريف الماضي، لكن لماذا كان المستشار الألماني حريصاً جداً على هذا الخطة؟ الجواب واضح.. بعد انسحاب الولايات المتحدة من تمويل أوكرانيا، من المتوقع أن يتحمل الأوروبيون العبء المالي، والحكومة الفيدرالية الألمانية مفلسة، كما تشير التقارير، في وقت لاتزال الحالة الاقتصادية صعبة، ولإظهار ما يشبه العمل على الأقل، كان لابد من القيام بشيء ما من أجل أوكرانيا، وخلال البحث عن المال، تحول الانتباه حتماً إلى تلك الأصول.

فكرة غير حكيمة

ومع ذلك، فإن فكرة المصادرة بحد ذاتها فكرة سياسية غير حكيمة، فهذه الأصول موجودة في بلجيكا لأن الاتحاد الأوروبي يتمتع بسمعة دولية باعتباره ولاية قضائية آمنة نسبياً بالنسبة لرأس المال، وإذا تضررت هذه السمعة فإن مكانة اليورو كعملة احتياطية عالمية ستكون معرضة للخطر، حيث سيكون لدى الدول الأخرى، خصوصاً الصين، حافز قوي لتطوير مراكز مالية بديلة.

وعلاوة على ذلك، حتى في زمن الحرب، من المعقول القول إن بعض قنوات الاتصال مع روسيا يجب أن تظل مفتوحة، ولو من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل.

وكان احترام حقوق الملكية الروسية فرصة لتحقيق ذلك، ومن المفارقات أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هي التي أشارت إلى هذه النقطة، في حين تجاهلتها الحكومة الألمانية، التي عادة ما تكون حريصة على التمسك بسيادة القانون.

لو تحملت بلجيكا مسؤولية بهذا الحجم غير المعقول والمخاطر المترتبة، لكان ذلك قد شكّل سابقة خطيرة من شأنها أن تثير قلق الدول الأعضاء الصغيرة في الاتحاد الأوروبي.

لكن نشاط ميرتس قصير الأمد دفع بهذه الاعتبارات الاستراتيجية إلى الخلفية تماماً، ولو نجح المستشار الألماني، لكانت أوروبا قد عانت من أضرار طويلة الأمد، ولحسن الحظ، كان تنفيذ هذه الخطط غير احترافي إلى درجة أن بلجيكا الصغيرة والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تمكنا من التغلب على ميرتس.

تقاسم المسؤولية

دخل المستشار الألماني ووزير شؤونه الأوروبية، يوهان واديفول، قمة الاتحاد الأوروبي في منتصف ديسمبر الماضي، مطالبين علناً بالقرض القسري لمساعدة أوكرانيا، وكان وعدهما أن روسيا ستغطي التكاليف في يوم من الأيام، في تاريخ غير محدد في المستقبل، من خلال التعويضات، وبالتالي ستدفع فعلياً ثمن مصادرة أصولها.

وردت بلجيكا على هذا الحجة الواهية قائلة: «إذا كانت المصادرة خالية من المخاطر حقاً، فلماذا لا يتم تقاسم المسؤولية بين جميع الدول الأعضاء الـ27؟»، في تلك اللحظة، كانت الحكومة الألمانية، التي وصلت إلى القمة الأوروبية دون خطة بديلة، قد وقعت بالفعل في مأزق.

أظهر رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر حساً سياسياً أكثر حدة من الزعيم الألماني، فقد أدرك أن فرنسا وإيطاليا لن توافقا أبداً على المسؤولية المشتركة، وكانت هذه لحظة ماكرون، لماذا لا يتم إصدار ديون أوروبية مشتركة؟ فجأة بدا الحلم الذي طالما راود كل حكومة فرنسية - أداة دين أوروبية مشتركة - أكثر تماسكاً بكثير من خطة ميرتس.

وتمكن المفاوضون الفرنسيون من فرض هذه السندات المصغرة باليورو على المستشار الألماني، وبنهاية القمة انكشف ميرتس مرة أخرى، وهو يندفع على موجة جديدة من الديون الضخمة، وهي موجة أخرى سيتحمل مسؤوليتها إلى حد كبير دافعو الضرائب الألمان. عن «ذي أميركن كونسرفتيف»


عام الانتخابات

سيكون 2026 عام انتخابات مهم لألمانيا، حيث سيصوت نحو 36 مليون مواطن ألماني (نحو 60% من السكان المؤهلين) في انتخابات متعددة على مستوى الولايات والمحليات، وتكتسب الانتخابات الخمسة على مستوى الولايات أهمية خاصة، فهي لا تحدد فقط مناصب رؤساء وزراء الولايات المرموقة، بل تحدد أيضاً تكوين الغرفة العليا في السلطة التشريعية الفيدرالية، وستكون هذه الانتخابات بمثابة استفتاء على الحكومة الفيدرالية، وعلى المستشار فريدريش ميرتس نفسه.

وتعد أرقام استطلاعات الرأي الخاصة بحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا ضعيفة على جميع الأصعدة، وفي شرق البلاد فإن السؤال المطروح هل سيحقق حزب البديل من أجل ألمانيا أغلبية مطلقة؟

من المعروف بالفعل أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي يخطط للاعتماد على حزب الخضر، أو حتى حزب اليسار «دي لينك»، لتشكيل أغلبية في العديد من الولايات، وهذا من شأنه أن يدفع النظام الحزبي الألماني نحو هيكل ثنائي الكتل فعلياً، حيث يتحد أعضاء الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الاجتماعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر وحزب اليسار ضد حزب البديل من أجل ألمانيا.

ومع ذلك، في مثل هذه الظروف، لا يمكن للاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الاجتماعي إلا أن يخسرا، وبالتالي بدلاً من إعادة إحياء عظمة أوروبا تحت قيادة ميرتس، يبدو أن ما هو أكثر احتمالاً هو تراجع حزبه نفسه.

. «خريف الإصلاحات»، الذي أعلن عنه ميرتس بصوت عالٍ، كان مجرد خطاب سياسي، ولم يُعِد الاقتصاد الألماني إلى مساره الصحيح.

. فكرة مصادرة الأموال الروسية غير حكيمة، لأنه حتى في زمن الحرب يجب أن تظل بعض قنوات الاتصال مفتوحة.

تويتر