لم يكن مفاجئاً لمنطقة تدرك من يملك زمام القوة والسيطرة
تدخّل ترامب في فنزويلا يعكس بوضوح هيمنة واشنطن على أميركا اللاتينية
تدخل واشنطن العسكري في أميركا اللاتينية يُعدّ واقعاً مألوفاً لسكان المنطقة. رويترز
من يندهش من القرارات الجريئة التي يقدم عليها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يبدو في الحقيقة غافلاً عن جوهر شخصيته وطبيعة تفكيره، فالإقدام على اعتقال رئيس دولة أجنبية لا يُعدّ تصرفاً استثنائياً أو دليلاً على فرادة في شخصية ترامب، بقدر ما يعكس مقدار انتمائه الواضح إلى التيار السائد داخل دوائر القيادة العسكرية الأميركية، أما الفارق الجوهري الذي يميّزه عن غيره، فهو أنه لا يرى ضرورة للتظاهر بالاهتمام برأي المجتمع الدولي أو السعي إلى كسب رضاه.
ومن غير المتوقع أن تجد مهمة ترامب في فنزويلا طريقها إلى محكمة دولية، أو أن تحسمها الجمعية العامة للأمم المتحدة، فحتى لو أصدرت هذه المؤسسات بيانات إدانة أو تقارير مطولة، فإن ذلك سيحدث على الأرجح بعد أن يكون ترامب قد غادر البيت الأبيض.
وهنا يبرز السؤال الأهم والاختبار الحقيقي لهذه المبادرة: هل ستؤدي إلى تحسين حياة الشعب الفنزويلي والمنطقة ككل، أم أنها ستزيد الأمور سوءاً؟ هذا المعيار، في جوهره، بسيط للغاية، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى واقع الفنزويليين الذين يصعب تخيل أن أوضاعهم قد تصبح أسوأ مما هي عليه الآن.
شافيز ومادورو
قبل عقد من الزمن، كان العالم يتساءل بدهشة كيف يمكن لدولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم أن تصل، بحلول عام 2025، إلى وضع يصبح فيه متوسط العمر المتوقع أقل من نظيره في سورية، ويكون فيها النمو الاقتصادي الأسوأ عالمياً، مع تضخم بلغ نحو 200% خلال السنوات الأخيرة، في حين يعيش نحو ثلث السكان تحت خط الفقر المدقع، والإجابة عن هذا اللغز تختصر في اسمين: هوغو شافيز ونيكولاس مادورو، الرئيسين السابق والحالي، اللذين توليا الحكم منذ عام 1999، فقد أدى استهتارهما الواضح بمصالح شعبهما إلى إفقار أمة كانت يوماً ما موضع فخر.
ولذلك ليس من المستغرب أن تشهد فنزويلا واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم، متقدمة على معظم الدول باستثناء أوكرانيا وجنوب السودان، حيث يبلغ معدل النزوح نحو 13.9 شخصاً لكل 1000 نسمة، وقد فرّ نحو ثمانية ملايين شخص من أصل 40 مليوناً، واستقر ملايين منهم في مخيمات بدول مجاورة، مثل كولومبيا وبيرو، فيما خاطر آخرون بالسفر إلى الولايات المتحدة بحثاً عن حياة أفضل.
تهديد دائم
ولا أدعي في هذا السياق الحياد التام تجاه فنزويلا، فمنذ قرنين من الزمن، تطالب فنزويلا بمنطقة «إيسيكويبو» الواقعة في جارتها الشرقية غيانا، وهي موطن والديّ، حيث قضيت معظم سنوات دراستي، وقد عشنا هناك في ظل تهديد دائم بالغزو، وكان شبح التجنيد الإجباري يُخيّم على حياتنا، وقضيت جزءاً كبيراً من سنوات مراهقتي محاولاً جاهداً تجنب أن أصبح فنزويلياً.
وكان عدد من معلمينا ضباطاً في الجيش، وكان يتم تدريب الفتيان من جيلي على كيفية تعبئة البنادق والتصويب وإطلاق النار، وكانت بندقية «لي إنفيلد»، السلاح الأساسي للإمبراطورية البريطانية آنذاك، جزءاً من هذا التدريب، غير أن حمل هذه البندقية كان أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لمراهق نحيل مثلي، ولا أذكر أنني أصبت هدفاً عن قصد في أي مرة.
ومن المؤكد أنه لو تم تجنيدي للخدمة العسكرية، لكنت على الأرجح عديم الفائدة، وربما شكلت خطراً على زملائي أكثر مما كنت تهديداً لأي مراهق فنزويلي آخر، ومن هذا المنطلق يمكن القول إنني ونيكولاس مادورو شخصان خطران، لكن الفرق شاسع بيننا، فهو نجح في ترويع شعبه ومعظم دول الكاريبي وأميركا اللاتينية، بينما أقصى ما قد أهدده لو مُنحت سلاحاً، هو نفسي.
واقع مألوف
لكن بفضل عملية محكمة التنفيذ، انخفضت احتمالية أن يضع أحدهم سلاحاً في يدي إلى الصفر تقريباً، فقد داهمت القوات الخاصة الأميركية الرئيس الفنزويلي، واقتادته لمواجهة اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات والأسلحة، ولا أعتقد أن هذه المداهمة جاءت مفاجئة لكثيرين ممن يعيشون في المنطقة، حيث يدرك سكان أميركا اللاتينية، التي كثيراً ما توصف بأنها «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، من يملك زمام القوة والسيطرة (في إشارة إلى واشنطن)، وقد أصبحت فنزويلا عملياً أشبه بمستعمرة أميركية، في واقع مألوف لدول أميركا اللاتينية والكاريبي، تكرر مراراً عبر التاريخ.
ففي عام 1990، اجتاح الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، بنما واعتقل رئيسها، مانويل نورييغا، الذي قضى نحو 30 عاماً في السجن بتهم تتعلق بتهريب المخدرات، وفي عام 1983، غزا الرئيس، رونالد ريغان، جزيرة غرينادا الصغيرة، خوفاً من قادتها اليساريين الشباب المقرّبين من الرئيس الكوبي فيديل كاسترو.
وقبل ذلك بسنوات طويلة، نُقل عن الرئيس، فرانكلين ديلانو روزفلت، أحد أكثر الرؤساء الأميركيين شعبية، شتمه رئيس نيكاراغوا عام 1939، لكنه قال إنه «ابننا على أي حال».
غيانا
غير أن الدولة التي تجسّد بأوضح صورة حجم القبضة الأميركية على المنطقة هي غيانا، التي حملت هذا الاسم مع بداية ستينات القرن الـ20، وقد وثّقت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في تقرير لها أنشطتها السرية في البلاد آنذاك، وكانت هذه المستعمرة تعاني انقساماً عرقياً حاداً بين سكانها من أصول هندية وإفريقية وأوروبية، وتعيش حالة توتر منذ نهاية الحرب، وتُشكّل تحالفاً وطنياً هشاً سعى إلى الاستقلال تحت راية «حزب الشعب التقدمي»، وكان والدي أحد الناشطين المحليين فيه قبل انتقاله إلى إنجلترا.
وفي عام 1963، أذن الرئيس جون كينيدي لوكالة الاستخبارات المركزية بالعمل على زعزعة استقرار حكومة الزعيم الاشتراكي اليساري شيدي جاغان في غيانا البريطانية، مع اقتراب موعد الاستقلال، وأسهمت الإضرابات والانشقاقات وأعمال الشغب، التي مولتها واشنطن، في إضعاف حكم جاغان، وبحلول عام 1966، عام الاستقلال، كان قد أُطيح عبر انتخابات رأى كثيرون أنه قد شابها التزوير.
*تريفور فيليبس
*كاتب وسياسي بريطاني
عن «التايمز»
. ترامب يتميّز عن غيره من الرؤساء الأميركيين بأنه لا يرى ضرورة للتظاهر بالاهتمام برأي المجتمع الدولي.
. غيانا تجسّد صورة حجم قبضة الولايات المتحدة على أميركا اللاتينية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news