تدهور مستوى المعيشة مهد الطريق لعصر من الاستياء الشعبوي

أميركا تعيش حالة من التراجع السياسي والاقتصادي امتدت لـ 25 عاماً

صورة

مع اختتام القرن الـ20، كانت ريادة القيادة الأميركية بلا منازع، فقد امتلكت أقوى اقتصاد في العالم وأقوى جيش، مدعوماً بنظام تحالفات لا مثيل له.

وتمتع الأميركيون، من أدنى مستوياتهم إلى أعلاها، بارتفاع في دخولهم الحقيقية. وحققت الميزانية الفيدرالية فائضاً لأربع سنوات متتالية، من عام 1998 إلى عام 2001.

وعلى الرغم من اختلافاتها، تمكنت الأحزاب السياسية من التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا مهمة، بما فيها السياسة المالية والتعليم والرعاية الاجتماعية والبيئة وحماية الأميركيين ذوي الإعاقة.

وأيد قادة الحزبين السياسيين الرئيسين، انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية بشروط سمحت بتدفق واردات رخيصة، ما أسهم في فقدان 5.7 ملايين وظيفة في قطاع التصنيع، أي ثلث الإجمالي السابق، بين نهاية إدارة الرئيس بيل كلينتون ويناير 2010.

ولم يتلقَّ سوى عدد قليل من العمال المسرَّحين مساعدة في الانتقال إلى وظائف جديدة، وعانى الكثيرون تدهوراً في مستوى معيشتهم، ما مهد الطريق لعصر من الاستياء الشعبوي.

لكن أحداث 11 سبتمبر سببت أضراراً كبيرة لأميركا، وأدت ردة فعل الرئيس جورج بوش الابن، المبالغ بها إلى الكثير من الأضرار. وأي رئيس كفء كان سيرد بقوة على الإرهابيين الذين قتلوا آلاف الأميركيين. لكن إدارة بوش ذهبت أبعد من ذلك بكثير، فأطلقت حرباً طويلة الأمد في أفغانستان والعراق، وأعلنت في نهاية المطاف هدفاً طموحاً يتمثل في «إنهاء الاستبداد في العالم».

لكن بتركيز هذا القدر الكبير من الاهتمام والموارد على «الحرب العالمية على الإرهاب»، تجاهلت أميركا تقريباً، التهديد المتزايد من الصين. وأدت حملات الشرق الأوسط إلى نفور العديد من الأميركيين من الانخراط الدولي.

وتدهور الوضع المالي للولايات المتحدة أيضاً، ففي يناير من عام 2001، توقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تستمر فوائض الميزانية التي حققها الرئيس بيل كلينتون في ولايته الثانية طوال العقد التالي، لتصل إلى 5.6 تريليونات دولار، ما كان سيؤدي إلى سداد الدين الوطني. وبعد 19 شهراً، توقع المكتب ذاته أن تؤدي التخفيضات الضريبية الكبيرة، وزيادة الإنفاق، وتراجع التوقعات الاقتصادية إلى القضاء على الفائض في عام 2002 والسنوات اللاحقة. وفي نهاية المطاف، كانت السنة المالية 2001 هي آخر مرة حققت فيها الحكومة الفيدرالية فائضاً في الميزانية، وأصبحت فرصة سداد الدين ضئيلة للغاية.

وامتد سوء الإدارة الاقتصادية إلى الأسواق المالية. وجادل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، آلان غرينسبان، وخبراء ماليون آخرون بأن المصلحة الذاتية ستدفع البنوك والمؤسسات الأخرى إلى تجنب المخاطرة المفرطة.

وبعد انهيار شركات «وول ستريت» الكبرى الذي أدى إلى أزمة مالية وانكماش اقتصادي حاد، اعترف غرينسبان بالخطأ. ولكن الضرر كان قد وقع، واستمرت آثار الركود لسنوات، وتضررت صدقية أنظمة السوق في جميع أنحاء العالم بشدة ولم تتعافَ منها تماماً حتى الآن.

وبحلول عام 2010، ازداد الاستقطاب بشكل حاد، ما قلل من قدرة الحكومة الفيدرالية على العمل ما لم يسيطر حزب واحد على الرئاسة ومجلسي الكونغرس. وفي مواجهة المعارضة التشريعية، لجأ رؤساء الحزبين إلى الحكم عبر الأوامر التنفيذية واللوائح، وقد أدى التوسع في صلاحيات الرئيس، والذي سرّعه الرئيس دونالد ترامب، إلى تشويه النظام الدستوري.

وسمح الجمود في الكونغرس بتراكم العديد من المشكلات دون حلّ، وتعثرت الجهود المبذولة لمعالجة السياسة المالية، والاستحقاقات، وغيرها من القضايا الحيوية. وعلى سبيل المثال، يستطيع ترامب تطبيق قوانين الهجرة الحالية، ولكن إصلاح الهجرة على المدى الطويل يتطلب تشريعات جديدة.

وأسهمت إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، في تفاقم الأمور نحو الأسوأ، فقد أضرت إجراءاتها في مجال الصحة العامة بالاقتصاد والتعليم والحريات الفردية. ونتيجة لذلك، تراجعت الثقة في الخبراء والمؤسسات بشكل حاد يصعب التعافي منه.

وفي المقابل، حققت بعض الدول الأوروبية نتائج أفضل، حيث خفضت الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا، دون تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية أو إغلاق المدارس لفترة طويلة. وتتزايد الضغوط، اليوم من كل جانب، فالأسر الشابة لا تستطيع شراء منازل، كما أن الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 80 عاماً فما فوق، والذين من المتوقع أن يرتفع عددهم من 14.7 مليوناً، إلى ما يقرب من 23 مليوناً خلال العقد المقبل، سيشكلون ضغطاً غير مسبوق على نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة.

وإذا لم يتخذ الكونغرس إجراءً، فإن صناديق الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية ستنفد بحلول عام 2033، وقد أضعف ترامب ثقة حلفاء واشنطن في دعم أميركا. وشهد هذا القرن، بداية متعثرة وهذا لا يعني أن الأميركيين عاجزون عن تغيير الوضع، لكنهم بحاجة إلى قادة سياسيين يتصدون لهذه المشكلات الصعبة ويجمعون الحزبين على طاولة المفاوضات لحلها. وعندها فقط سينتهي تراجع أميركا الذي دام 25 عاماً ويبدأ التعافي.

*وليام غالستون

*كاتب زاوية في صحيفة «وول ستريت جورنال»

عن «وول ستريت جورنال»

. مع اختتام القرن الـ20، كانت ريادة القيادة الأميركية بلا منازع، فقد امتلكت أقوى اقتصاد في العالم وأقوى جيش، مدعوماً بنظام تحالفات لا مثيل له.

. في نهاية المطاف، كانت السنة المالية 2001 هي آخر مرة حققت فيها الحكومة الفيدرالية فائضاً في الميزانية، وأصبحت فرصة سداد الدين ضئيلة للغاية.

تويتر