المرصد

«مش حتقدر تغمض عينيك»

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، تعود قضية «الفواصل الإعلانية» تطرح نفسها مجدداً على المشهد، فإلى أي مدى مسموح بها، وأين خط التماس بين حق المشاهد وحقوق أصحابها، وبأي آليات يمكن للهيئات الإعلامية في البلدان المختلفة «فرملتها» أو «ترشيدها»؟

المجلس الأعلى للإعلام المصري في وقت سابق، طبقاً لما قاله المخرج محمد فاضل، أجرى أبحاثاً إعلامية شملت كل بلاد العالم من الصين الى الولايات المتحدة، ومروراً بدول الاتحاد الأوروبي، لمعرفة مدى تناسب الإعلانات مع ساعات عرض الدراما، ووضع ضوابط بحيث يكون بثها ثلاث مرات فقط حداً أقصى في كل مسلسل، وذلك بعد أن وصل الفاصل في إحدى المسلسلات الى 15 دقيقة، ومجموع الفواصل في المسلسل ذاته إلى 39 دقيقة.

لكن، وعلى خطورة هذا الأمر، فإن قصة «الفواصل الإعلانية» تماست مع قضية أخرى، وهي تحولها إلى «جنس إعلامي».

فقد انتهى فعلياً عصر الإعلانات التقليدية التقريرية، منذ ظهر الإعلان المطبوع عام 1477، والتلفزيوني عام 1947 في الولايات المتحدة الأميركية أثناء مباراة بيسبول، وتحول الاعلان تدريجياً بعد ذلك الى جنس إعلامي يتضمن عنصري المحتوى والجاذبية، إلى الدرجة التي تحوّل فيها إلى مسلسل غرائبي في اليابان في ما يسمى الـ«سوفت بانك»، حيث ينافس الدراما التقليدية ويصبح له جمهوره الذي ينتظره كل مساء، وبالتالي أصبح يرتبط به ويدافع عنه، ليس فقط المعلن والقناة التلفزيونية دفاعاً عن مكاسبهما، وإنما المشاهد ذاته الذي يستفيد بالمتعة، كما لو كان الإعلان عملاً درامياً بريئاً من الغرض.

كان الكاتب والمسرحي والسياسي الأميركي جور فيدال يردد في وقت مبكر من تاريخ الاعلان التلفزيوني، أن «الإعلان هو الشكل الحقيقي الباقي للفنون في القرن العشرين»، لكن لم يكن أحد يتوقع أن الأمر سيتطور الى هذا الحد.

هناك أيضاً، عنصر إضافي دخل على قصة الإعلانات، وهو الاستخدام السياسي لها.

ففي البداية كان هذا الاستخدام محدوداً في الحملات التوعوية، التي تحتاجها الدول مثل «حملات تنظيم النسل» او «التحذير من انفجار أسطوانات البوتوغاز»، ثم تطور لاحقاً الى الاهداف السياسية الكبرى، على شاكلة استخدامه في حرب أكتوبر 1973 في حملة «كلمة في سرك» للتوعية بعدم نقل الشائعات اثناء الحرب، لكنه أخيراً تطور الى الاستخدام السياسي الداخلي والتنافس الانتخابي، على شاكلة ما فعلت «شركة ترامب الفندقية»، والتي جمعت في حملتها الإعلانية بين الدعاية لترامب رئيساً، ولفنادقه منتجعاً، أثناء حملة الرئيس السابق دونالد ترامب الانتخابية.

قد يبدو هذا الأمر محصوراً في التجربة الأميركية، وربما في نسختها الترامبية، لكن في كل الأحوال فإن الإعلام الذي كانوا يحذرونه من الخلط بالإعلان، هو الذي يتعرض الآن لهجمة مضادة، يجعلها «مبدأ الجاذبية» أكثر غلبة على المشاهدة، إضافة الى علو صيحة «مش حتقدر تغمض عينيك».

طباعة