لا أمل في الشفاء من إصابات الشرطة

متظاهرو احتجاجات «حياة السود مهمة» تضرّروا بشكل لا يمكن إصلاحه

صورة

هزّت إلين أورباني رأسها في حالة من عدم التصديق، بينما كانت تفحص الرفوف في مرآبها، بحثاً عن أشياء قد تحميها أثناء مشاركتها في احتجاج «حياة السود مهمة». وتقول الشابة الأميركية: «هذا سخيف، لا أستطيع أن أصدق أنني بحاجة إلى هذه الأشياء»، ونفضت الغبار عن خوذة ابنها للتزلج، وربطتها بحقيبة ظهر تحمل نظارات السباحة الخاصة بابنتها، وجهاز التنفس الاصطناعي الخاص بالربو، وغيرت ملابسها التي كانت ترتديها، لأنها ستتعامل مع الغازات الكيماوية.

وكتبت اسم زوجها ورقم هاتفها على فخذها بحبر دائم، في حالة إصابتها بالعجز، أثناء التظاهر. وغادرت الكاتبة، البالغة من العمر 51 عاماً، مزرعتها خارج بورتلاند، بولاية أوريغون، في 24 يوليو، للالتحاق بمئات الأمهات الأخريات، اللواتي يطالبن بالعدالة لجورج فلويد، الرجل الأسود الذي قُتل على أيدي الشرطة.

وبحلول منتصف الليل، كما تروي أورباني، كان العملاء الفيدراليون قد غطوا المتظاهرين بسحابة من الغاز، مع إطلاق القنابل الصوتية. وعندما اختنقت النساء من حولها، وبدأن في التقيؤ، وراح الأشخاص يتصادمون ببعضهم بعضاً، ذكّرت أورباني نفسها بأنها «مجرّد أم»، وهي متطوعة سابقة في فيلق السلام الملتزم بالقانون، والذي لا يشكل تهديداً لأحد. وتتذكر أورباني «ثم شعرت بكسر في عظم بقدمي، وشعرت وكأنني تعرضت للضرب بعصا بيسبول جاءت بسرعة 90 ميلاً في الساعة».

أثناء مشاركتهم في أكبر تعبئة متواصلة للعدالة الاجتماعية، في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، تعرّض عشرات الأشخاص للضرب بالهراوات، والصدم بالسيارات، وتم رشهم برذاذ الفلفل، وأصيبوا بجروح خطرة بالرصاص المطاطي، وغيرها من أسلحة الشرطة. وأكثر من 93٪ من احتجاجات «حياة السود مهمة»، في جميع أنحاء الولايات المتحدة، كانت سلمية، وفقاً لتحليل لأكثر من 7750 تظاهرة، في الفترة من 26 مايو إلى 22 أغسطس، من قبل «مشروع بيانات الأحداث»، وموقع «النزاع المسلح» غير الربحي. ومع ذلك، أُصيب ما لا يقل عن 115 متظاهراً في الرأس والوجه والرقبة بقذائف مختلفة، بما في ذلك الرصاص وعبوات الغاز المسيل للدموع، في الفترة من 26 مايو إلى 27 يوليو، بحسب تقرير لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان. وجمعت المنظمة الصحية غير الربحية بياناتها من الأخبار والتقارير الطبية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والدعاوى القضائية.

معاناة مستمرة

بالمقارنة مع المتظاهرين الآخرين، الذين أصيبوا بجروح بسبب تطبيق القانون، تعرف أورباني أنها واحدة من أكثر المتظاهرين حظاً. وأصيبت في قدمها برصاصة مطاطية، ما أدى إلى تحطم الإصبع الكبيرة لقدمها، وهي تتعافى ببطء لأنها تخضع للعلاج الطبيعي، لكن معاناتها العقلية موجودة لتبقى. وتقول أورباني، التي تنحدر من عائلة عسكرية، تحترم دائماً تطبيق القانون: «لم أتصور مطلقاً أني سأتعرض لإطلاق النار في مدينتي على يد أبناء بلدي!». وفي المنافسة لتحديد ما حدث في شوارع أميركا، منذ وفاة فلويد في 25 مايو، يشير منتقدو الاحتجاجات إلى عدد قليل من المدن، حيث تم حرق أو نهب المتاجر. ويرد المدافعون عن المتظاهرين أنه على الرغم من عنف الأحداث، يمكن إصلاح الممتلكات. لكن المتظاهرين تضرروا بشكل لا يمكن إصلاحه، في كثير من الأحيان في حوادث موثقة بكاميرات الهواتف المحمولة، ونُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعيد بثها في الأخبار المحلية والوطنية.

وشاهد ملايين الأشخاص لقطات لامرأة شابة طُرحت أرضاً، في مدينة نيويورك، ورجل مُسن ينزف من أذنه بعد دفعه على الرصيف في بوفالو، بولاية نيويورك؛ وشاهدوا سيارة تابعة لإدارة شرطة نيويورك تسرع وتصدم حشداً من المتظاهرين.

وفي كل حالة يتفاقم الغضب ويتزايد الاحتجاج على وحشية الشرطة. وبعد أشهر، وتحوّل الاهتمام إلى مكان آخر، يُترك المصاب لمواجهة مجموعة جديدة من التحديات: الفواتير الطبية، وفقدان الوظائف، والغضب الذي لا يهدأ، والدعاوى القضائية التي تستغرق وقتاً طويلاً، والتي ينتهي بها الأمر إلى تكليف دافعي الضرائب أكثر مما تكلفه قسم الشرطة المستهدف.

تسوية الدعاوى

وفي بعض الأحيان، يرى الضحايا الضباط الذين غيروا حياتهم، متهمين بارتكاب جرائم، أو طُردوا من وظائفهم. وتقول جينفين وونغ، وهي محامية في جمعية المساعدة القانونية: «ليست أقسام الشرطة هي التي تشعر بثقلها (التكاليف) وعبئها». وفي مدينة نيويورك، وحدها، أنفق دافعو الضرائب 220 مليون دولار لتسوية أكثر من 5800 دعوى قضائية مرفوعة ضد شرطة نيويورك خلال السنة المالية 2019، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن سلطات المدينة. وفي عام 2018، أنفق دافعو الضرائب، في شيكاغو، أكثر من 113 مليون دولار، وهو أعلى مبلغ منذ 2011، لتسوية دعاوى سوء سلوك الشرطة، ودفع أتعاب المحامين الخارجيين، وفقاً لتحليل أجرته صحيفة «شيكاغو ريدر». وانتهت قضية بريونا تيلور، في مدينة لويزفيل، بولاية كنتاكي، بتسوية قدرها 12 مليون دولار، بعد أن أطلقت الشرطة النار عليها في شقتها، لكن الاحتجاجات استمرت على قرار عدم مقاضاة الضباط على قتلها.

وتقول دونيا زاير، الشابة التي دفعها ضابط شرطة خلال مسيرة «حياة السود مهمة»، في مدينة نيويورك، يوم 29 مايو: «إيماني بهذا العالم قد انتهى». وأصيبت الفتاة البالغة من العمر 21 عاماً، بنوبة صرع، بعد أن اصطدم رأسها بحافة الرصيف، ولم تتعافَ بعدُ من ارتجاج وإصابة في الظهر. وتضيف: «أنا غاضبة وخائفة ومكتئبة»، متابعة «أعلم أنني لست الوحيدة».


عبوات الدخان

في 11 يوليو، كان دونافان لابيلا (26 عاماً)، يحمل جهازاً مضخماً للصوت، فوق رأسه في احتجاج في بورتلاند بولاية أوريغون، وشغّل أغنية للفنان «داكس» بعنوان «حياة السود مهمة»، عندما بدأت مجموعة من الجنود، كانوا موجودين في الشارع، بإطلاق عبوات الدخان. وتُظهر لقطات من هاتف لابيلا النقّال، وهو يركل بهدوء عبوة سقطت عند قدميه، ثم يلتقطها ويلقي بها بعيداً، قبل رفع جهازه فوق رأسه، مرة أخرى. وبعد ثوانٍ، بينما كان لابيلا يقف في مكانه، لا يتحرك نحو الضباط، أطلق أحد الجنود «ذخيرة غير قاتلة»، أصابته بين عينيه، فسقط على الأرض.

جلسة استماع

كانت دونيا زاير واحدة من عشرات المتظاهرين الذين شهدوا، في يونيو، عن تعرّضهم للدفع والركل والعنف، من قبل الشرطة، خلال جلسة استماع عامة استمرت ثلاثة أيام، عقدها المدعي العام، في نيويورك، على الإنترنت. وأظهر البعض جروحاً وكدمات، وأخبروا أنهم تعرّضوا للركل على الوجه، والدفع نحو الجدار، والإنزال من الدراجات بالقوة المفرطة.

فيما قال مفوض شرطة نيويورك، ديرموت شيا، إن مئات من ضباط الشرطة أصيبوا خلال الليالي الأولى، من الاحتجاجات، حيث قام بعض المتظاهرين بنهب المحال التجارية، وإلقاء الزجاجات والطوب وعلب القمامة والحجارة عليهم، وأضرم آخرون النار في سيارات الشرطة، وهاجموا المراكز.

وقال شيا: «كانت هذه من أسوأ أعمال الشغب التي حدثت في مدينتنا في الذاكرة الحديثة»، مضيفاً أنه من الصعب على الضباط تجنب التفاعل مع المتظاهرين السلميين أثناء التعامل مع المتظاهرين العنيفين. ومنذ اندلاع الاحتجاجات في المدينة في 28 مايو، قال متحدث باسم شرطة نيويورك، إن أكثر من 470 ضابطاً أصيبوا، من بينهم 20 لم يتعافوا بعدُ بما يكفي للعودة إلى العمل. في المقابل، تحدت زاير وشهود آخرون هذه الرواية.

وقالت ويتني هو، وهي ناشطة في بروكلين، ساعدت زاير و10 آخرين ممّن تم رشهم برذاذ الفلفل أو ضربهم بالهراوات: «لم أشاهد في كثير من الأحيان حالات كان فيها المتظاهرون يقاومون، بل رأيت المتظاهرين يختبئون أو يحاولون مساعدة الآخرين المصابين».

إصابة في العين

كانت شانتانيا لوف، التي تعيش في سكرامنتو، وهي أم لطفلين، تبتعد عن ضباط إنفاذ القانون في احتجاج في «أوك بارك»، بكاليفورنيا، في منتصف ليل 29 مايو، عندما بدأوا في إطلاق مقذوفات لتفريق الحشد. وتعتقد لوف (30 عاماً)، أن رصاصة مطاطية أصابت عينها، ما أدى إلى إصابتها بعمى دائم في تلك العين. وتقول الشابة، التي خضعت لعمليتين جراحيتين في محاولة لإنقاذ بصرها: «لقد تحطمت عيني»، متابعة «ربما كان أسوأ ألم شعرت به على الإطلاق، مع أني أنجبت طفلين».

ولأيام عدة بكت ابنتها الصغرى، البالغة من العمر خمس سنوات، عندما رأت عين أمها الجريحة. ولم تتمكن لوف من العودة إلى العمل كمساعدة طبية، وبالتالي فقدت مزاياها الصحية، في أغسطس. وقالت وهي تبكي: «عليّ أن أدفع ثمن كل شيء بنفسي».

وتقول ليزا بلوم، محامية لوف: «لقد تغيرت حياتها بشكل جذري، وهي مدمرة للغاية»، موضحة «قد يكون الأمر استغرق جزءاً من الثانية بالنسبة لهم لضغط الزناد، لتكون الحياة مليئة بالألم لها وللعديد من الآخرين».

وقال متحدث باسم قسم شرطة سكرامنتو، إن الإدارة لم تؤكد بعدُ مسؤوليتها عن إصابة لوف، والحادث لايزال قيد التحقيق.

93 % 

من احتجاجات «حياة السود مهمة»، في جميع أنحاء الولايات المتحدة، كانت سلمية.

220

مليون دولار أُنفقت لتسوية أكثر من 5800 دعوى قضائية ضد شرطة نيويورك في 2019.

دافعو الضرائب هم من يتكفّل بتسديد تكاليف أخطاء الشرطة.

عناصر الشرطة استخدموا القوة المفرطة مع المحتجين.

طباعة