المرصد

معارك الصحافة التي لا تنتهي

شهدت مصر، أخيراً، تجاذباً بين مجموعة من الصحافيين، ووزارة السياحة والآثار، أثناء تغطية الصحافيين لحدث الكشف عن 100 تابوت فرعوني في منطقة سقارة، تطور إلى أزمة تبحث الآن عن حل.

الأهمية الاستثنائية لحدث الكشف عن التوابيت محلياً وعالمياً، وصلت شدتها إلى نزول رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بشخصه بحبل إلى قلب المقابر في لقطة لفتت انتباه وكالات الأنباء، وإلى تحول وسائل وفضائيات إلى صالون ثقافي تحكي خلفية الحدث. لكن أزمة الصحافيين فرضت نفسها، سواء في مربع مجلس نقابة الصحافيين، أو في وزارة الآثار، ولرئيس الوزراء، الذي أطلق تصريحات مناصرة للصحافة.

تكرر «أزمة سقارة» قانوناً أبدياً في مهنة الصحافة، ولد مع ولادتها ويستمر حتى اليوم، هو أنها رغم كونها مهنة خدمة الحدث، فهي قابلة بين عشية وضحاها لأن تكون الحدث نفسه، ولأن تخطف التركيز والأضواء منه لتصبح حديث المدينة.

ففي صدفة لا تتكرر إلا نادراً، نشرت صحيفة «الأهرام» المصرية في الأثناء ذاتها قصة، أستخرجها من أضابير الصحافي محمود الدسوقي، عن معركة حدثت بين الصحافة والآثار أيضاً أثناء اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، منذ قرن من الزمان تقريباً. إذ فوجئت الصحافة المصرية وأثناء توجهها لتغطية حادث اكتشاف المقبرة عام 1923 بأن اللورد كارنافون ممول الحدث، أبرم عقد احتكار مع صحيفة «التايمز» البريطانية، يحق لها بموجبه منع أي صحافي مصري، أو غير مصري، من نقل أي خبر عن الحدث.. ولو لماماً.

كان الاكتشاف صدمة لأبناء مهنة البحث عن المتاعب وقتها، خصوصاً أن الحدث كان في أقصى صعيد مصر، وعندما وصل مندوب الأهرام بعد سفر شاق لمسافة 750 كيلومتراً، على صعوبة السفر في تلك الأيام، إلى الأقصر واكتشف أنه لا يستطيع دخول المقبرة، كان الخبر الوحيد الذي يستطيع أن يرسله لصحيفته المنتظرة للتغطيات، هو صورته بطربوشه على أبوابها.

أصبح تحايل الصحافيين، كما روى المورخ فرانسيس أمين للأهرام، هو التغطية الأكثر إثارة لحظتها، فكتبوا قصصاً عن المواطن الأقصري الذي زعم أن جده هو توت عنخ آمون، وعن الفار الذي تسلل إلى المقبرة، وعن عصا وقبعة توت عنخ آمون، وعن معيشتهم الصعبة أثناء تغطية الحدث، حيث ناموا في الحدائق العامة والعراء، بعد أن ارتفعت أسعار الفنادق حيث اكتظت بالأجانب الأثرياء.

لكن هذه الطرائف، وربما بسببها لم تحل بين أن تكون الواقعة لحظة تحول في تاريخ الصحافة وحق الصحافيين في التغطيات، فانتقلت المعركة برمتها إلى البرلمان، وإلى مطالبة برلمانية بإصدار قانون يمنع فكرة الاحتكار المطلق للحدث.

تبدو المسافة بعيدة بين الحدثين، لكن يبدو خيط ولو رفيعاً يجمعهما، أن حق الصحافي الذي هو حق المجتمع وحق الناس في الحصول على المعلومة، لا يمر في طريق مفروش بالورود، ورغم مرور الأيام لا تنتهي مشكلاته، حتى لو تجددت أشكاله.

طباعة