المرصد

الحرب على «الإنترنت الأسود»

مثلت عملية «ديسرب تور» التي شنتها قوة «يوروبول»، أي «وكالة إنفاذ القانون الأوروبية»، على سوق «شبكة الإنترنت الأسود»، نموذجاً لما ستكون عليه وقائع حرب طويلة قادمة مع عالم أشباح إجرامي افتراضي أكثر خطورة بما لا يقاس بعالم الإجرام الواقعي.

فقد نتج عن هذه العملية التي كان يقوم كل المجرمين المستهدفين فيها بأنشطتهم على الشبكة الافتراضية السوداء ضبط ستة مليارات دولار مسروقة، و500 كيلوغرام هيروين، و64 بندقية، علاوة على 176 مجرماً إلكترونياً هارباً.

مثل «الإنترنت الأسود» أو «الإنترنت المظلم» أو «الشبكة العنكبوتية السوداء»، الغابة العصرية المظلمة التي ترافق ظهورها مع الانترنت العادي، وفرت إليه عشرات العصابات، وشبكات المافيا وعتاة المجرمين، واستطاعوا أن ينسجوا فيه شبكات إجرام غير مرئية عبر تشفير معين وبرمجيات خاصة، كما استطاعوا إنشاء أسواق سرية، كشفت منها السلطات الأمنية والقانونية حتى الآن «سوق إبليس»، و«سلك رود»، و«كريستو ماركت».

ويميز بعض المختصين بين «الإنترنت الأسود» و«الإنترنت العميق»، فالأخير مصطلح يشير إلى كل ما لا تستطيع محركات البحث التقليدية الولوج إليه، بينما الأول هو غابة الشر الالكترونية بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن يظل التماس بين العالمين قائم والحدود ملتبسة.

ويقول خبراء الجريمة إن خطورة سوق الانترنت المظلم هي في تخصصه في الجرائم الشاذة والشنيعة وشبه المستحيلة، مثل تأسيس مواقع لتصنيع الأسلحة النوعية المدمرة وتجارة الأعضاء البشرية، وتأسيس شبكات الاستغلال الجنسي للأطفال، أو المواد الإباحية، وتعليم التهكير المتقدم (القرصنة الإلكترونية)، والاحتيال على الاسواق المالية الكبرى، والإرهاب، لذا فان اختراق هذا العالم يحتاج الى خبرة متقدمة في تكنولوجيا المعلومات، والتعاون بين الدول.

وتقدر دراسة نشرها موقع صندوق النقد الدولي في سبتمبر 2019 أن «هناك نحو 65 ألف رابط تنتهي بكلمة أونيون موجودة على شبكة (تور) في الانترنت المظلم».

وكما هو الجاري اليوم، تلعب السياسة دوراً سلبياً في تطويق قدرة العالم على مواجهة «الإنترنت الأسود»، فهناك الرغبات السياسية لدول في حماية منشقين من دول أخرى، وهناك القوانين التي لا يوافق عليها البعض لأسباب سياسية، وهناك الحروب الصغيرة بين الدول التي لا تسمح بتبادل المعلومات بشأن محاربة هذا الخطر.

أياً كان الأمر فإن العملية الأخيرة التي أنجزتها «يوروبول»، والتالية لعملية سابقة جرت في أبريل 2019 باسم «وول ستريت ماركت» كانت ذات دلالة خاصة، خصوصاً لجهة انجازها في زمن «كورونا». وهو الأمر الذي انعكس في تصريح الناطق المتحمس باسم «يوروبول»، ايد فارداس سيليبريز، بعد العملية، حيث قال إن «العصر الذهبي للانترنت الأسود انتهى»، وان «الانترنت المخفي لم يعد بعد اليوم مخفياً»، وهو تصريح حتى لو انطوى على درجة كبيرة من المبالغة، إلا أنه أشاع روحاً عالية من التفاؤل.

طباعة