المرصد

فوضى الصور

كان الصحافيون يرددون، في وقت مضى، العبارة القائلة بأن «الصورة أفضل من مليون مقال».. لكن بعد ظهور «الفوتوشوب» والصور المزيفة، أصبح هذا القول خالياً من الصدقية.

في أزمة فيضان السودان الأخيرة، حمى الله السودان، رصدت جهة واحدة خمس صور مزورة منسوبة إلى هذا الفيضان، انتشرت في شرق الأرض وغربها: الأولى لسيدة على وشك الغرق ترفع يدها وهي تمسك بشيء ما فوق المياه، ربما كان محفظة نقود، اتضح لاحقاً أنها صورة ملتقطة في الهند عام 2013. والثانية لرجل قيل إنه سوداني، أيضاً، يحمل طفله على كتفه في الفيضان، واتضح أنها صورة لرجل في هاييتي عام 2013. والثالثة لسيول مدمرة قيل إنها في سنار، واتضح أنها لسيول في وادي شرس باليمن. والرابعة لطفلة قيل إنها تغرق في سنار، وتكشف أنها من الروهينغيا. والخامسة لمشهد فعلاً للفيضانات في السودان، لكنه يعود إلى عام 2013.

مثلت الصورتان، الأولى والثانية، صدمة استثنائية حينما اكتشف تزويرهما، فقد تصدرتا حجماً ضخماً من القصص المؤثرة، ولا يحتاج الأمر إلى مزيد من التفصيل، للتأكيد أن القارئ، خصوصاً في عالمنا العربي، يجد صعوبة في تصديق المحتوى الكتابي، إذا اكتشف أن الصورة «خدعة».

لقد دفع واقع «فوضى الصور» وكالة كبرى مثل «فرانس برس» لأن تؤسس خدمة سمتها «في ميزان برس»، أوقفتها على خدمة فحص الصور، كشفت عبرها عشرات الصور المزيفة، ليس فقط في فيضان السودان الذي مثل واقعة غليظة، وإنما في عشرات اللقطات الأخرى، مثل صورة المتسول المصري الشهير، الذي قيل إنه يملك أربعة ملايين جنيه وعمارتين، أو صورة تظاهرات الاحتجاج على إجراءات «كوفيد-19» في لندن، التي اتضح أنها ملتقطة في احتجاجات بيلاروسيا السياسية، وصورة بايدن وهو ينام في مقابلة تلفزيونية، أو صورة صدام حسين وهو يبتسم قبل إعدامه، التي اتضح أن كلتيهما «فوتوشوب».

يبقى القول بأن واقع فوضى الصور ربما مثل إحراجاً اجتماعياً لعامة الناس، أو لرواد وسائل التواصل، لكنه يمثل تحدياً مهنياً مزعجاً للصحافيين، وفي مهنة الصحافة.

فمفهوم «السبق الصحافي»، ذاته، أصبح مفخخاً زيادة على تفخيخه، بل إن طبيعته ضمت إلى مضمونه الهجومي آخر دفاعياً، إذ لم يعد السبق الصحافي يتمثل فقط في التقاط صور فريدة لم يَرَها الجمهور من قبل، كما كان الأمر في الماضي، بل أصبح يضم، أيضاً، الكشف عن «الصور المضللة»، التي يتناقلها الناس، لأن في ذلك الكشف خبراً.. وأي خبر!

• واقع فوضى الصور، ربما مثل إحراجاً اجتماعياً لعامة الناس، أو لرواد وسائل التواصل، لكنه يمثل تحدياً مهنياً مزعجاً للصحافيين.

طباعة