«البوست» الذي زلزل أميركا

لم يكن بمقدور أي محلل تصوُّر أن «بوستاً واحداً» على «فيس بوك»، مكون من ثلاث كلمات هي: «حياة السود تهم»، يحدث كل هذا الزلزال السياسي في الولايات المتحدة والعالم.

كانت البداية في فبراير 2012، عندما وقعت حادثة مقتل الأميركي الأسود تريفون مارتن على يد جورج ميتشل زمرمان، وظلت القضية تدور في المحكمة حتى انتهت ببراءة الأخير. كانت القضية موجعة، بسبب الملابسات الخاصة بها، فمارتن اتصل برقم الطوارئ 911، والشرطة أبلغته بأن يثبت في مكانه وأنها قادمة، والواقعة توافر لها قدر جيد من الأدلة، إلا أن السلطات تلكأت في توجيه الاتهام، ولم تفعل ذلك إلا بعد أن جمعت منظمة «تشينغ أوورغ» مليون ونصف المليون توقيع، تطالب بمحاسبة زمرمان. كان «البوست» الأول، الذي كتبته الناشطة السوداء، إليسيا جارزا، يوم حصول زمرمان على البراءة، بسيطاً ومعبراً بعفوية عن صدمة الأميركيين الأفارقة، حيث قالت سطوره: «أجساد السود لن تحترق لتضيء العالم، فاض الكيل، تريفون مارتن نحبك بلا حدود.. حياة السود تهم»، لم تكن جازرا تتوقع، وهي تكتب العبارة الأخيرة «حياة السود تهم»، تدرك أنها وضعت يدها على العبارة - السحر، أو التميمة التي ألهمت الملايين.

وفي اليوم التالي، التقطت صديقتها باتريسيا كولز الخيط، وأنشات صفحة على «فيس بوك»، وصدرتها بـ«بوست» يستلهم العبارة نفسها، يقول: «أيها السود - أحبكم - أحبنا - حياة السود تهم». فتحولت الصفحة إلى منصة تقود ملايين السود. لقد وصلت قيمة هاشتاغ «حياة السود تهم» أن اختارته «جمعية اللهجة الأميركية» عام 2014 بوصفه عبارة العام، واختارته مجلة «نعم» الأميركية بوصفه واحداً من 12 هاشتاغاً غيرت العالم في عام 2014، ورصدت مواقع إعلامية أنه تم نشره 30 مليون مرة عام 2016، كما نجح الهاشتاغ في نظم حراك يؤثر في الانتخابات الأميركية، ويقود التظاهرات بعد مقتل جورج فلويد الجارية اليوم، كما أن «الهاشتاغ» نجح في أن يكوِّن حركة عالمية، تمتد إلى بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، وألمانيا والدنمارك واليابان. الطريف في الأمر أن خصوم الحراك الرافض للعنصرية في الولايات المتحدة، أعيتهم الحيلة فسرقوا الهاشتاغ مع تحويره، ليصبح عنواناً لحركتهم المضادة، فأنشؤوا صفحات باسم: «حياة الزرق تهم»، و«حياة البيض تهم»، و«كل الحيوات تهم». سطو بغض النظر عن فجاجته ولصوصيته، يمثل انتصاراً لأصحاب الشعار الأصلي.


هاشتاغ «حياة السود تهم» نجح في أن يكوِّن حركة عالمية تمتد إلى بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، وألمانيا والدنمارك واليابان.

طباعة