المرصد

    الـ«غارديان» تغير دليلها المناخي

    جددت صحيفة الـ«غارديان» البريطانية دليل الكتابة الصحافية بها (الستايل بوك)، وانصرف الجزء الأكبر من التغيير إلى قضية المناخ، لما استشعرته إدارة التحرير من أن واقعاً كبيراً استجد في هذه القضية، ويستحق المواكبة.

    فعلى سبيل المثال، حل مصطلح «الطارئ المناخي» في كتابات وتقارير الصحيفة، محل مصطلح «التغير المناخي»، و«السخونة المناخية» محل «الدفء المناخي»، و«الحياة البرية» محل «التنوع البيولوجي»، و«التكاثر السمكي» محل «المخزون السمكي»، و«منكر علم المناخ» بدلاً من «المتشكك المناخي»، وهكذا.

    ولمست الـ«غارديان» الانقلاب الكبير الذي حدث بالعالم في الأحوال المناخية، والمخاطر التي تحيط به وتتصاعد في كل ثانية، وجاء تغيير دليل الكتابة الصحافية توازياً مع خطوات أخرى اتخذتها الصحيفة، مثل توسيع وتعميق المادة العلمية المتعلقة بالمناخ وأفراد مساحة أوسع لها، وذكر مستوى ثاني أوكسيد الكربون يومياً في صفحة الطقس لديها.

    وقد أشارت الصحيفة، في لقطة تجمع الذكاء والمهنية وتوخي الجاذبية الصحافية، إلى أن من دق الجرس أمامها، أو على الأقل نبهها بدرجة أكبر لضرورة اتخاذ خطوة مختلفة، هي المراهقة السويدية البالغة من العمر 15 عاماً، غريتا ثونبرغ، التي قادت تظاهرة حاشدة من طلاب مدرستها، انتهت بهم إلى مبنى البرلمان السويدي، حيث اعتصموا هناك مطالبين حكومات العالم بموقف جاد وملموس، ضد التخريب المتصاعد للمناخ، تلك الفتاة التي قالت في خطابها الشهير بتلك التظاهرة: «نحن الآن في عام 2019، وعلينا أن نسمي واقع تدهور المناخ بما هو عليه، إنها أزمة المناخ، انهيار المناخ، واقع طوارئ المناخ، الانهيار الإيكولوجي للمناخ، الأزمة الإيكولوجية للعالم».

    وفي وصفها لمسعى الصحيفة إلى تغيير دليلها المناخي، قالت رئيس تحرير الـ«غارديان»، كاثرين فانبر: «إن المهمة لم تكن سهلة، فقد كان على الصحيفة أن تجمع بين (الدقة العلمية وبساطة التعبير)، فتعبير (تغير المناخ) مثلاً يعطي دلالة أكثر خفة وأقل سلبية من ما يقصده العلماء، حينما يشيرون إلى كارثة تحيق بالإنسانية، وهكذا هي بقية المصطلحات».

    لم يكن ما فكرت فيه الـ«غارديان» بعيداً عن مخيلة العاملين بمجال المناخ من العلماء في مراكز الأبحاث والمنظمات الأممية، والذين اشتكوا غير مرة من أن الإعلام لم يستطع، حتى الآن، أن يضع الناس في الصورة، ولم يقم بواجبه كحلقة وسيطة بين العلم والمجتمع، ومثالهم في ذلك شكوى المسؤول الأممي المناخي، ريتشارد يتيس، المتكررة من استخدام الصحف لمصطلح «الدفء الحراري» في وصفهم لارتفاع درجة حرارة الكون، لما يحمل ذلك المصطلح من دلالات طبية وإنسانية اقترنت به، بدلاً من أن تستخدم مصطلح «التسخين الحراري»، وهو الحد الأدني لوصف ما يحدث.

    في واقعنا الصحافي والثقافي العربي، الكارثة مضاعفة، فأنت لا تكاد تسمع الحديث عن «ثقب الأوزون» إلا في المسلسلات الكوميدية، سخرية من الشخص المحلق، المنفصل عن هموم الواقع، الذي يجرؤ وينطق بالتعبير، ولايزال إعلامنا يتعامل مع القضية بوصفها مسألة ثانوية، تشغل بال عالم الشمال المرفه الخالي من الهموم، باعتبار أن معارك «داحس والغبراء» - العبثية - التي نخوضها أولى بالاهتمام، مع أن أبسط نظرة إلى القضية تقول إن محيطات مجتمعاتنا أكثر احتياجاً للوعي بقضية البيئة، بما شهدت من خراب وحروب واستخدام أسلحة لم يستبعد أن يكون منها اليورانيوم المنضب كما العراق، أو الكيماوي كما في سورية، وبعديد من التجليات الأخرى للتلوث المضاعف، مقارنة بأوروبا، في مناطق مختلفة من عالمنا العربي.

    طباعة