المرصد

    تحقيق «هآرتس» الزلزال

    استقبل المسرح الصحافي السياسي الإسرائيلي باهتمام غير مسبوق التحقيق الصحافي الاستقصائي (القنبلة) الذي أجرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن حرب 1948، في 5 يوليو 2019، وكشفت فيه أن وزارة الحرب الإسرائيلية أنشأت عام 2010 إدارة تدعى «مالباب» مهمتها إخفاء أي أدلة على جرائم القوات الإسرائيلية في الحرب، أو أي براهين على حقوق الشعب الفلسطيني في بيوته وقراه، أو كل ما يهدد الرواية الإسرائيلية الرسمية للحرب.

    التحقيق الصحافي الإسرائيلي كشف أن «مالباب» تحركت بلا قانون أو تخويل بصلاحيات، فوضعت يدها على كل الأرشيفات الإسرائيلية التي تناولت حرب 48، بما في ذلك أرشيفات الأحزاب الإسرائيلية، وانتزعت منها أي وثيقة أو ورقة تدل على «مذبحة» أو «انتهاك» أو كل ما يشير إلى أنه «كان للفلسطينيين بيت أو شجرة في هذه المنطقة أو تلك»، أو تسجل «نوبة ضمير» عند جندي إسرائيلي هنا أو جنرال هناك، بما في ذلك الوثائق التي سبق أن نشرت في صحيفة أو كتاب، أو حصلت على ختم من الرقابة العسكرية الإسرائيلية سابقاً، ربما تحسباً منها للحظة حساب، أو تحرك سياسي، أو محاسبة في قضية محلية أو عالمية.

    التحقيق كشف عن وقائع عدة، منها مذبحة تمت في قرية صفصاف، تم فيها تقييد 52 فلسطينياً بسلسلة ودفنهم في حفرة بعد إطلاق الرصاص عليهم دفعة واحدة، منهم ستة شيوخ وفتاة في الرابعة عشرة، ظل 10 منهم يرتعشون بين الحياة والموت أمام أعين الجنود بعد أن أخفق الرصاص في إسكاتهم من أول مرة، ومنهم فلسطيني تم قطع إصبعه لأخذ الخاتم الذهبي منه، كما تم اغتصاب ثلاث فتيات منهم قبل تنفيذ المذبحة البشعة. كما كشف التحقيق الصحافي عن مذبحة عن قرية فلسطينية اعترف الجنرال ليبيد بهدمها مع احتمال وجود سكانها أحياء بها، لكن أهم ما في التحقيق وفوق هذا كله، هو كشفه عن إخفاء أهم وثيقة رسمية إسرائيلية في حرب 1948، كتبها ضابط إسرائيلي في جهاز التحقيق (شاي) الملحق بإدارة الامن الداخلي الاسرائيلي (شين بيت)، شرح فيها كيفية إفراغ الأرض الفلسطينية من العرب في حرب 1948، وحملت عنوان «هجرة العرب في فلسطين»، وكشفت أن 70% من الفلسطينيين تم تهجيرهم عبر ضغط الآلة العسكرية الإسرائيلية، وأن سبب الهجرة الأول هو «الأعمال العدائية اليهودية المباشرة في المناطق العربية»، والسبب الثاني هو «تأثير ما جرى في القرى العربية المجاورة»، والسبب الثالث هو «ما تقوم به الجماعات المنفصلة»، وهو الاسم الذي يطلق على عصابات «الأرجون» و«ليهي» في إسرائيل، والسبب الرابع هو «الأوامر التي أصدرتها العصابات والمؤسسات العربية»، وهو الاسم الذي تطلقه إسرائيل على الجيوش والمتطوعين العرب لإنقاذ فلسطين في حرب 1948، والسبب الخامس هو «عمليات الهمس الإسرائيلية»، ويقصد بها الحرب النفسية الإسرائيلية التي تخيف الفلسطينيين وتدفعهم للهجرة عبر الدعاية، والسبب السادس هو «إنذارات التهجير النهائي» التي كانت تصدرها إسرائيل.

    لم تكن الوثيقة المختفية التي أشار اليها التحقيق الصحافي الإسرائيلي سراً يذاع لأول مرة، فقد أشار إليها بني موريس في كتابه التأسيسي لدحض الرواية الرسمية الإسرائيلية، «مشكلة اللاجئين الفلسطينيين»، كما أشار إليها الكثيرون سلباً وإيجاباً في نقاشات طروحات «المورخون الجدد» مثل موريس نفسه، وإيلان بابه، وتامار نوفيك، وغيرهم، لكن إخفاء الوثيقة الأصلية يعني فقد قيمتها الحجية كوثيقة رسمية لواحد من أهم التقارير التي تنفي خروج الفلسطينيين من قراهم وديارهم كفعل «طوعي» أو استجابة من «ضعاف النفوس الفلسطينيين» لإغواءات «الشياطين العرب» الذين ضيعوا مستقبلهم، بحسب ما ظلت الماكينة الإسرائيلية تكرر لعقود.

    طباعة