المرصد

السودان.. ثورة «يوتيوب»

كما يحقّ للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يقرن نفسه بإعلام «تويتر»، وللحرب العالمية الثانية أن تتميز بدور المذياع، يحق للسودانيين بأن يفخروا بأن ثورتهم الجارية هي ثورة «يوتيوب».

فبسبب جملة أسباب كثيرة ومعقدة، أبرزها أن ثورة السودان لم تكن ضمن موجة الربيع العربي المعتمدة، وأنها لا يقودها تيار الإسلام السياسي صاحب المنابر الزاعقة والصوت العالي، وجد السودانيون أنفسهم وهم يقودون ثورتهم الشعبية في العراء لا ناصر لهم ولا معين على مائدة الإعلام الغربي.

لقد اختفت، رغم تواصل زخم التظاهرات اليومي في الأحياء والميادين، أي تغطية مباشرة تقريباً على مدى أربعة أشهر، التغطية الأسخن للحدث التي كانت تومض بها الشاشات العالمية تحت كلمة عاجل أثناء أحداث الربيع العربي، اختفت التغطيات النوعية عن دور النساء أو الشباب أو الأطفال أو الشيوخ أو غير ذلك، واكتفت المحطات - وإن كان بدرجة من التباين - بمسلكين أساسيين، إدراج الخبر في النشرة الاخبارية إذا ارتفعت درجة حرارة التظاهرات قليلاً، والتكرم أحياناً بضيف، أو تجاهل الحدث تماماً.

في ظل هذه الأحداث، لم يكن أمام السودانيين إلا الاعتماد على أنفسهم وابداعهم الذاتي، والالتجاء إلى سلاح الفقراء الإعلامي، أو حبيب الفقراء «يوتيوب»

تمكن السودانيون عبر «يوتيوب» من تصوير كل شيء، وبث كل شيء، ولم يتطلب الأمر أكثر من موبايل موجود في يد أي شاب أو فتاة، لنقل وتوثيق أي انتهاك على الفور، ضرب «البامبان» في الأحياء، اقتحام البيوت، اعتداء جنود القمع على فتية وفتيات، كما نجح «يوتيوب» في نقل واقع استمرار التظاهرات التي كان إعلاميو نظام البشير يصرون على أنها انتهت كل لحظة، وعلى نقل روح الثورة ذاتها في فعاليات الأحياء البعيدة وأركان النقاش الطلابية.

كذلك نجح «يوتيوب» وحده، في نقل صورة «الكنداكة»، تلك الفتاة السودانية الثائرة وهي تترنم بأهازيج ثورية وسط الحشود، صانعة لنموذج «جان دارك» الإفريقية، وهي تلك الصورة التي وصفها العالم دون مبالغة بأنها تمثال الحرية الحي السوداني الذي تجاوز في إبهاره في عصر الميديا نظيره الأميركي.

لقد قدمت «الثورة السودانية»، ثورة 19 ديسمبر، دروساً كثيرة،، أبرزها أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك باراك أوباما يقول (الآن يعني الآن) كي يحدث تغيير، وأن الشعوب يمكن برقيّها وسلميتها وتحضّرها أن تفرض حقها في التغيير رغم تجاهل أو تآمر العالم، لكن درسها الأهم كان في الاعلام أن كل إمبراطوريات العالم الاعلامية، من شبكات وكارتلات وامكانات خرافية غير قادرة على حجب حقيقة أو فرض حقيقة إذا ما توافرت للناس الإرادة، فشاب صغير بموبايل فقير في عطبرة أو أم درمان أو غيرهما، قادر على نقل ما يحدث لأبعد استرالي أو نيوزيلندي أو حتى ساكن قطب شمالي، وقادر على تلجيم قوة القمع، والحيلولة دون دفن الحقيقة.

لقد كانت المفارقة بين حيوية الثورة وتكلّس نظام البشير، مجسدة بشكل واضح في الاعلام، بين الاعلام وتلفزيونات النظام، فبينما كان «يوتيوب» يتقافز برشاقة ينقل كل شيء، السياسي والانساني ممّا يحدث على أرض السودان منذ 19 ديسمبر، كانت القنوات التلفزيونية السودانية بتعبير محمد حسنين هيكل قد «شاخت في مقاعدها» تيبّست وأصبحت تحكي عن سودان ثانٍ في زمن ثانٍ غير موجود في الواقع، بل المضحك أن هذا التيبس استمر أياماً كثيرة، حتى بعد الإطاحة بالبشير وانتصار الثورة. إنها قصة الديناصور الذي تآكلت أطرافه فلم تصل الإشارة إلى عقله المركزي إلا بعد عقود.

طباعة