المرصد

طفل سوهاج الفصيح

تحوّل لقاء إعلامية مصرية بأطفال منسوب إليهم التورط في تهريب جمركي ببورسعيد إلى مادة نقاش في الصحف والفضائيات المصرية عنوانه: حدود الإعلامي.

خلاصة الحدث أن المذيعة التلفزيونية التقت صبية تحت السن القانونية من مدينة سوهاج المصرية محتجزين بتهمة تهريب بضائع من بورسعيد، وقد تصرفت المذيعة بمنطق أنه بما أنهم صبية محتجزون، فإن من حقها أن تظهرهم على الشاشة بوصفهم مجرمين، وأن تجعلهم أمثلة لدرس في الآداب والأخلاق، لكن كانت المفاجأة هي ردود «طفل سوهاج الفصيح» التي استوقفت الشارع المصري، وذكّرت الناس بفيلم فريد شوقي الشهير «جعلوني مجرماً».

كانت بعض أسئلة المذيعة مثيرة للتساؤل وأحياناً للصدمة، على سبيل المثال سألت المذيعة «طفل سوهاج الفصيح»: «لماذا جئت من سوهاج لتهرب في بورسعيد؟ هل لا يوجد عمل في سوهاج؟»، ثم أضافت «لماذا لا تعمل في الاستثمار؟»، وكانت إجابات الصبي السوهاجي سهلة وممتنعة، وأبرز ما فيها قوله «أنت لا تشعرين بظروف الناس»، «أنت لا تعرفين الظرف. هذا يريد أن يعود لأسرته بالكسوة، وذاك يريد أن يعيل أمه وإخوته».

لم يكن أحد من الشارع المصري، أو من الجهات الحقوقية أو الإعلامية أو الرسمية، بمن فيهم محافظ بورسعيد نفسه، الذي تعاطف مع «طفل سوهاج الفصيح»، مؤيداً بالطبع للجريمة ولا للتهريب الجمركي ولا لتبريره، لكن تعاطف الناس مصدره إيمانهم بأن لهذه الواقعة خلفية اجتماعية واقتصادية يجب أن تدرس وتواجه، وأن الكاميرات يجب أن توجه نحو أباطرة التهريب وليس الأطفال الذين يتم استغلالهم من قبل الكبار، وأن الأطفال شأنهم شأن شباب «الهجرة غير الشرعية» في موانئ أوروبا (مخالفون ومجرمون بنظر القانون) لكنهم ضحايا.

انتهت واقعة «طفل سوهاج الفصيح» بشكل إيجابي إلى حد كبير، فقد تحركت المحافظة وتحركت أجهزة الدولة وتحرك رجل أعمال مصري كبير قام بتوظيف الصبي وأصحابه، لكن الواقعة كشفت أن الإعلام وظيفته تتعقد كل يوم.

فأصغر الموضوعات وأكبرها بحاجة إلى إعداد، ولم تعد أي قضية أياً كانت بساطتها لها جانب واحد، وإنما لكل قضية جوانبها المعقدة.

كذلك فإن رجل الشارع القديم البسيط الذي كان يفترضه الإعلام القديم انتهى، فرجل الشارع الذي يلتقيه الإعلامي اليوم بالمصادفة هو «مملكة مجهولة» بحكم الثورة المعلوماتية والترحال والاحتكاك بالعالم، وعلى الإعلامي أن يعد نفسه للدخول في منازلة مع أبسط عابر طريق يلتقيه، وأن يحافظ على حياده وألا يحمل وجهة نظر مسبقة، ويسمع ويسأل لا أن يخطب ويحاضر.

الأهم من هذا كله، وهو ما استنفر «المجلس القومي للطفولة والمرأة» بمصر ودفعه لتقديم بلاغ إلى النائب العام أنه طبقاً لمواثيق الدولية والقوانين المحلية فإن على الإعلام أن يتذكر قواعد عالمية أصبحت بديهيات، ومنها «لا يجوز تصوير الأطفال المعرضين للخطر أو الموجودين في حالة احتجاز»، لأن هذا حكم مسبق على حياتهم المقبلة يدفعون ثمنه طوال العمر.

فهل تصبح الواقعة نبراساً للإعلام العربي الذي لايزال يخطئ كل يوم؟ لعل وعسى.

• انتهت واقعة «طفل سوهاج الفصيح» بشكل إيجابي إلى حد كبير.